الحمد لله رب العالمين , خالق كل شئ وبيده ملكوت كل شئ , سبحانه وتعالى لا اله الا هو رب العرش العظيم ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
واشهد ان محمداً عبده ورسوله , اللهم صلي عليه وعلى اله وازواجه واصحابه ---
*** مع سلسلة مواقف يوم القيامة ***
********
الدرس الأول
النفخ في الصور
قال تعالى مصوراً فناء هذا العالم في ايات كثيرة في القران الكريم :-
أنظر اخي الكريم , الى تلك الايات الجليلة التي تتحدث عن فناء هذا الكون بنفخة واحدة في الصور تندك بها الارض والجبال وتنفجر انفجار القنابل الهيدروجينية والذرية , فان انفجار قنبلة ذرية في حجم لا تراه العين المجردة يهلك الحرث والنسل , ويدع الحصون والقلاع بلا قلاع .
فلا تكاد ترى همساً ولا حساً , وان كنت غير مصدق فانظر الى ما حصل في قنبلة هيروشيما .
فما بالنا ببلايين الذرات في بلايين المجرات , انها تنشق جميعاً فتحدث صيحة وضجة , فلا يبقى بعدها في السماوات ولا في الارض ديّار ولا نافخ نار ولا صادح ولا باغم ولا ملك مقرب ولا نجم ساطع ولا كوكب لامع .
ما هو الصور :-
انه قرن على هيئة البوق , لا ندري ما هو , انه من عالم الغيب كالعرش والكرسي والقلم واللوح المحفوظ والبيت المعمور وغير ذلك مما اشار الله عز وجل اليه في القران الكريم وترك لنا تفصيله وطلب منا الايمان به .
فالى عهد قريب كنا نعتقد ان الارض هي مركز هذا الكون واذ في القرن السابع عشر اخترعت المناظير المكبرة والعدسات وراينا عالم الفضاء , فاذا بالارض بعد هذه الاكتشافات الحديثه كوكب حقير لا قيمة له في هذا الكون الواسع .
اسمع الى الحبيب صلى الله عليه وسلم ماذا يقول عن هذا الكوكب الحقير ( لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء ) او كما قال صلى الله عليه وسلم .
وبعض العلماء لم يقف عند هذا الحد , فمضى في سبيل التاويل ولكن الاسلم الا نؤول ونترك ما لله لله .
ففي يوم القيامه سنعرف كل شئ اخفاه الله عنا .
- (لقد كنت) في الدنيا (في غفلة من هذا) النازل بك اليوم (فكشفنا عنك غطاءك) أزلنا غفلتك بما تشاهده اليوم (فبصرك اليوم حديد) حاد تدرك به ما أنكرته في الدنيا .
- ولما كان الله سبحانه وتعالى يخلق الاسباب والمسببات , فقد وكّل اسرافيل عليه السلام بالنفخ فيه مرتين باذن الله تعالى .
ففي النفخة الاولى :-
يهتز سير النظام الكوني فتندك الكواكب والنجوم والاراضي ويعود العالم كما كان لا شئ غير الله الواحد القهار .
يقول تعالى :- { لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ }غافر16 فلا من مجيب ---- فيجيب ذاته بذاته { لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }.
- (ونفخ في الصور) النفخة الأولى (فصعق) مات (من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) من الحور والولدان وغيرهما (ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم) جميع الخلائق الموتى (قيام ينظرون) ينتظرون ما يفعل بهم .
لقد هلك العالم اكوني كله بما فيه من مجرات ومجموعات شمسية وبروج سماوية وما الى ذالك لا يعلمه الا الله .
ولنا هنا سؤال ؟
هل هناك من يستثنيهم الله بالحياة ؟ ومن هم هؤلاء الذين شملتهم المشيئة الالهية بالحياة ؟
في هذا الموضوع اقوال كثيرة ----
يهمنا الايمان بان هناك من يستثنيهم الله من الصعق , لعلهم يفنون بغيره , اما انهم سيموتون فالجواب نعم
قيل هم :- جبرائيل وميكائيل واسرافيل , رؤساء الملائكة المعروفون لنا ويقبض الله سبحانه وتعالى ارواحهم كما شاء بيده التي لا نعلمها { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الشورى11
لينفرد الله سبحانه وتعالى {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }الحديد3
التفسير :-
- (هو الأول) قبل كل شيء بلا بداية (والآخر) بعد كل شيء بلا نهاية (والظاهر) بالأدلة عليه (والباطن) عن إدراك الحواس (وهو بكل شيء عليم).
ما زلنا مع النفخة الاولى نفخة الصعق اي الموت الفجائي والى هذه النتيجة يشير الله تعالى بقوله عز من قائل
اي يفنى العالم كله الا من شاء الله , وينفرد الله سبحانه وتعالى بعد ان يفنى جميع خلقه , منهم من فني بالصعقة ومنهم من فني بقبض ارواحهم بما يعلمه الله سبحانه وتعالى , واخرهم موتاً عزرائيل , وينفرد الله لا اله الا هو بالدوام .
ثم بعد فترة لا يعلمها الا الله يحيي الله اسرافيل , ويامره ان ينفخ في الصور نفخة اخري هي الثانية .
نفخة البعث :-
فترجع او ترد الارواح الى اجسادها فاذا هم قيام ينظرون الى هذا اليوم الجديد , انه يوم القيامه وما ادراك ما يوم القيامه و يوم يقول الكفار , يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا , من الاجداث التي كانوا فيها فتاتا , رميما , فتجيبهم الملائكة , هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون .
وفي الحديث الشريف – عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما , كما جاء في مسند احمد واللفظ له .
( يخرج الدجال في امتي فيمكث اربعين – لا ندري اربعين يوماً , او اربعين شهراً , او اربعين عاماً – فيبعث الله عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم كانه عروه بن مسعود ,
وهنا لابد لنا من وقفة للرد على المعتزلة والجهنية الذين اعتبروا في هذا الكلام تعارض مع قوله تعالى عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً }الأحزاب40 .
وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم { لا نبي بعدي } وان شريعته مؤيدة الى يوم القيامة ونقول هذا استدلال باطل , لماذا ؟
لان عيسى لن يحكم الارض بشرع جديد , فقد صحت الاحاديث انه يحكم بشريعة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم , ومن اراد الزيادة فليراجع النووي في شرحه لصحيح مسلم .
لقد رفع عيسى الى السماء في مكان من امكنتها لعله نائم كنومة اهل الكهف او لعله حي كحياة البشر في كوكب اخر , كل ذلك علمه عند ربي , فسينزل اخر الزمان ليحارب الدجال ويقتله كما جاء في الاحاديث الصحيحه وليس في العقل ما يمنع حدوث ذلك ولا في الشرع ما يبطله .
نعود الى الحديث ثم يرسل الله عز وجل ريحا بارده من قبل الشام فلا يبقى على وجه الارض احد في قلبه مثقال ذرة من خير او ايمان الا قبضته حتى لو ان احدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه قال : سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فيبقى شرار الناس في خفة الطير واحلام السباع اي يسرعون الى المعاصي والشهوات كانهم حيوانات لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا فيتمثل لهم الشيطان فيقول - الا تستجيبون ؟ فيقولون فما تامرنا , فيامرهم بعبادة الاوثان وهم في ذلك دار كثير رزقهم , حسن عيشهم , ( اي رزقهم كثير ووفير ) ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه احد الا اصغى ليتا ورفع ليتا ((ً الليت هو صفحة العنق )) قال : واول من يسمعه رجل يلوط (( اي يصلح حوض ابله )) قال : فيصعق ويصعق الناس , ثم يرسل الله او قال ينزل الله مطرا كانه الطل او الظل فتنبت منه اجساد الناس ثم ينفخ فيه اخرى فاذا هم قيام ينظرون , ثم يقال يا ايها الناس هلم’ الى ربكم {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ }الصافات24ثم يقال اخرجوا بعث النار فيقال من كم فيقال من الف تسعمائه وتسعة وتسعين قال : فذاك يجعل الولدان شيبا وذلك يوم يكشف عن ساق يكشف عن شدة وهول عظيم
- اذكر (يوم يكشف عن ساق) هو عبارة عن شدة الأمر يوم القيامة للحساب والجزاء يقال كشفت الحرب عن ساق إذا اشتد الأمر فيها (ويدعون إلى السجود) امتحانا لايمانهم (فلا يستطيعون) تصير ظهورهم طبقا واحدا .
عن ابي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما بين النفختين اربعون ) قالوا يا ابا هريرة اربعون يوما قال ابيت قالوا اربعون شهرا قال ابيت قالوا اربعون سنة قال ابيت ( ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل , قال : وليس من الانسان شئ الا يبلى الا عظما واحدا هو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة )) .
أقول قولى هذا وأستغفر اللـه لى ولكم
وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه الى يوم الدين
** الى اللقاء في الدرس القادم بحوله تعالى **
أسأل الله عز وجل أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم وأن يجعله صدقة جارية عني
سوف نتحدث ان شاء الله تعالى في هذا الدرس عن فناء الناس والبعث , والايات في القران الكريم كثيرة تقرر فناء الناس , والاحاديث توضح ذلك .
والعلم التجريبي القائم على كشف التموجات الاشعاعية ودراسة الكون تؤيد ما جاء في القران الكريم , من ان لابد لهذا العالم من نهاية .
وان كانت الايات القرانيه اعطت لنا صورًا ومشاهد وكذلك الاحاديث النبوية قربت الينا هذا الحدث العظيم .
قال تعالى :-
{إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً }الواقعة4
التفسير:-
(إذا رُجَّت الأرض رجَّا) حركت حركة شديدة .
{فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً }الواقعة6
(فكانت هباءً) غباراً (منبثا) منتشراً ، وإذا الثانية بدل من الأولى.
وقرع الكون بالقارعة وما ادراك ما القارعة , وزلزلة الارض وخروج الكواكب عن مدارها
(وجمع الشمس والقمر) فطلعا من المغرب أو ذهب ضوؤهما وذلك يوم القيامة
ان علم هذه الحقائق عند ربي وما علينا الا ان نؤمن بما جاء من عند ربنا .
وليست هذه الحقائق كما نتصورها , فعقولنا ضعيفة والحوادث ذاتها عظيمة فوق العقول والتصور .
البعث
نتحدث الان الى اعادة الخلق يوم القيامة وهو اهون على الله عز وجل من انشائه
(وهو الذي يبدأ الخلق) للناس (ثم يعيده) بعد هلاكهم (وهو أهون عليه) من البدء بالنظر إلى ما عند المخاطبين من أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه وإلا فهما عند الله تعالى سواء في السهولة (وله المثل الأعلى في السماوات والأرض) أي الصفة العليا وهي أنه لا إله إلا الله (وهو العزيز) في ملكه (الحكيم) في خلقه.
ان الله وحده هو الذي أنشأ هذا العالم بعد ان لم يكن شيئاً مذكورا , كان حيث كان , ولا يزال كما كان , لا تحيط به الاذهان , ولا يحده زمان ولا مكان , سبحانه جل في علاه .
خسئت الفلسفة وفلاسفتها ومتفلسفيها , ان قالوا ان الكون قديم او ذراته قديمة وقد قالوا
وعندما تحدث عن خلق السماوات والارض .
(الحمد) وهو الوصف بالجميل ثابت (لله) وهل المراد الإعلام بذلك للإيمان به أو الثناء به أو هما احتمالات أفيدها الثالث قاله الشيخ في سورة الكهف (الذي خلق السماوات والأرض) خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات للناظرين (وجعل) خلق (الظلمات والنور) أي كل ظلمة ونور وجمعها دونه لكثرة أسبابها وهذا من دلائل وحدانيته (ثم الذين كفروا) مع قيام هذا الدليل (بربهم يعدلون) يسوون غيره في العبادة .
(ما أشهدتهم) أي إبليس وذريته (خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم) أي لم أحضر بعضهم خلق بعض (وما كنت متخذ المضلين) الشياطين (عضدا) أعوانا في الخلق فكيف تطيعونهم .
وسيفني الله عز وجل هذا الكون في النفخة الاولي , وسيعيده مرة ثانية وان اعادته ايسر من خلقه واهون عليه كما بينا واسلفنا اعادة اخرى جديدة .
ذكر (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات) هو يوم القيامة فيحشر الناس على أرض بيضاء نقية كما في حديث الصحيحين وروى مسلم حديث سئل النبي صلى الله عليه وسلم أين الناس يومئذ قال على الصراط (وبرزوا) خرجوا من القبور (لله الواحد القهار)
فالله سبحانه وتعالى جلت قدرته ليس عليه يسير وايسر ولا عسير ولا اعسر , وانما امره بين الكاف والنون واذا اراد شيئاً ان يقول له كن فيكون
(يوم) منصوب باذكر مقدرا قبله (نطوي السماء كطي السجل) اسم ملك (للكتب) صحيفة ابن آدم عند موته واللام زائدة أو السجل الصحيفة والكتتتاب بمعنى مكتوب واللام بمعنى على وفي قراءة للكتب جمعا (كما بدأنا أول خلق) من عدم (نعيده) بعد إعدامه فالكاف متعلقة بنعيد وضميره عائد إلى أول وما مصدرية (وعدا علينا) منصوب بوعدنا مقدرا قبله وهو مؤكد لمضمون ما قبله (إنا كنا فاعلين) ما وعدنا .
(وضرب لنا مثلا) في ذلك (ونسي خلقه) من المني وهو أغرب من مثله (قال من يحيي العظام وهي رميم) أي بالية ولم يقل رميمة بالتاء لأنه اسم لا صفة وروي أنه أخذ عظما رميما ففتته وقال للنبي صلى الله عليه وسلم أترى بحيي الله هذا بعد ما بلي ورم فقال صلى الله عليه وسلم نعم ويدخلك النار
(قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق) مخلوق (عليم) مجملا ومفصلا قبل خلقه وبعد خلقه.
وروي انه اخذ عظما رميما ففتته وقال للنبي صلى الله عليه وسلم اترى يحيي الله هذا بعدما بلي ورم , فقال الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه ( نعم ويدخلك النار ) او كما قال صلى الله عليه وسلم .
يستبعد عباد الماده والعقلانيون بعث هذا الكون بعد فنائه وبعث الموتى بعد ان رمت اجسادهم .
(أولم ير الإنسان أنا) يعلم وهو العاصي ابن وائل (خلقناه من نطفة فإذا) مني إلى أن صيرناه شديدا قويا (هو خصيم مبين) شديد الخصومة لنا (وضرب) بينها في نفي البعث .
ما كان ينبغي لمن خلقه الله من الماء المهين ان يخاصم ربه متحدياً قدرته , نعم يحييها فهو سبحانه وتعالى انشاها اول مرة .
لقد قاسى العبد من الموت وسكراته وخطره على سوء ختم العاقبة , وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام دائما (( اسالك العفو والعافيه في الدنيا والاخرة وحسن الختام )) او كما قال صلى الله عليه وسلم .
وهو الان بعد ضجعة في القبر في برزخ لا يعرف ما فيه الا الله رب العالمين , فهو المرحله الثالثة من مراحل الانسان وكل مرحلة اشد مما سبقها .
الاولى :-
الجنين في بطن امه .
الثانيه :-
حياته وقد حمل الامانه وهي التكاليف الشرعية .
الثالثة :-
ضجعة القبر .
ولا بد لنا هنا من وقفة , لماذا يا ترى ؟ لان للقبر نعيم وعذاب ولانه اول منازل الاخرة .
هذا سيكون باذن الله وتوفيقه موضوعنا للدرس الثالث من هذه السلسلة .
أقول قولى هذا وأستغفر اللـه لى ولكم
وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه الى يوم الدين
** الى اللقاء في الدرس القادم بحوله تعالى **
أسال الله عز وجل أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم
لقد افردنا لهذا الموضوع درساً خاصاً في سلسلتنا المتواضعة وتوقفنا في الدرس الماضي عند هذا الموضوع وقلنا انه لا بد لنا من وقفة هنا لاهمية الموضوع ولان للقبر نعيم وعذاب , ولانه اول منازل الاخرة ولانه بشرى او انذار , لما سيحدث له بعد ذلك في المرحلة الاخرة او لتكفير بعض الذنوب --- الخ .
تعالوا معي سوياً لاصحبكم في جولة في بعض ما جاء في عذاب القبر ونعيمه والمرور بقبور الظالمين .
- عن ابن عمر رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه لما وصلوا الحجر ديار ثمود ( مساكن ثمود قبيلة ارسل اليهم سيدنا صالح عليه السلام ) لا تدخلنا على هؤلاء المعذبين الا ان تكونوا باكين , فان لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ( اي خشية ان يقع بكم العذاب ) ما اصابهم . رواه البخاري ومسلم .
- عن عائشة رضي الله عنها ان يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقالت لها : اعاذك الله من عذاب القبر , فقالت عائشة : فسالت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر؟ فقال : نعم عذاب القبر حق , قالت : فما رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى صلاة الا تعوذ من عذاب القبر . رواه البخاري ومسلم .
اذاً علينا ان نعمل بهذا الحديث الذي روته ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها ونتعوذ من عذاب القبر ( اللهم انا نعوذ بك من عذاب القبر ) اللهم امين .
- وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ان الموتى ليعذبون في قبورهم حتى ان البهائم لتسمع اصواتهم . والحديث رواه الطبراني باسناد حسن .
- وعن هانئ مولى عثمان بن عفان قال : كان عثمان رضي الله عنه اذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته فقيل له : تذكر الجنه والنار فلا تبكي وتذكر القبر فتبكي , فقال : اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : القبر اول منزل من منازل الاخرة فان نجا منه فما بعده ايسر وان لم ينج منه فما بعده اشد , قال : وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما رايت منظراً قط الا والقبر افظع منه . رواه الترمذي .
قال هانئ : وسمعت عثمان ينشد على القبر : فان تنج فيها تنج من ذي عظيمة والا فاني لا اخالك ناجياً
اي اني لا اظنك ناجياً .
- وعن ابن عمر رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ان احدكم اذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ( اي في الصباح والمساء ) ان كان من اهل الجنة فمن اهل الجنة , وان كان من اهل النار فمن اهل النار فيقال : هذا مقعدك ( مكانك ) قال النووي فيه نعيم للمؤمنين وتعذيب للكافر حتى يحيي الله النفوس فتخرج من قبورها , هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة --- رواه البخاري ومسلم والترمذي وابو داوود .
اذاً احبابي الكرام لا مجال لتسويف التوبة وعلينا ان ندرك انفسنا قبل فوات الاوان , ولنجتهد في الطاعه لنرى مقعدنا في الجنة .
- عن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنيناً ( افاعي كبيرة ) تنهشه حتى تقوم الساعة , فلو ان تنيناً منها نفخت في الارض ما انبتت خضراء .--- رواه احمد وابو يعلى ومن طريقه ابن حبان في صحيحه .
اذاً الأمر جد خطير ولا مجال لتاخير التوبة , اي عاقل يسمع هذا الحديث ويصر على المعصية ولايبادر بالتوبة الى الله عز وجل , والله انها لمشاهد تنخلع لها القلوب وتشيب لها الولدان , اعاذنا الله واياكم منها .
- عن ابي هريرة رضي الله عنه , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ان المؤمن في قبره لفي روضة خضراء , فيرحب له قبره سبعون ذراعاً , وينور له كالقمر ليلة البدر اتدرون فيما انزلت هذه الاية .
{ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } قال : اتدرون ما المعيشة الضنك ؟ قالوا : الله ورسوله اعلم .
قال : عذاب الكافر في قبره , والذي نفسي بيده انه يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً اتدرون ما التنين ؟ سبعون حية لكل حية سبع رءوس يلسعونه ويخدشونه الى يوم القيامة --- رواه ابو يعلى وابن حبان في صحيحه .
ها هي ام المؤمنين عائشة رضوان الله عليها عندما سمعت من المصطفي صلى الله عليه وسلم ما سمعت من وصف الملائكة وعذاب القبر والحيات توجه سؤالاً للحبيب صلى الله عليه وسلم فماذا تقول رضوان الله عليها .
- عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يارسول الله تبتلى هذه الامة في قبورها فكيف بي وانا امراة ضعيفة قال : {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ } .
الجمهور على انه في القبر بتلقين الجواب وتمكين الصواب .
- فعن البراء ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح المؤمن فقال : ثم تعاد روحه في جسده فياتيه ملكان فيجلسانه في قبره فيقولان له : من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ فيقول : ربي الله وديني الاسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم و فينادي مناد من السماء ان صدق عبدي – فذلك قوله {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ }إبراهيم27ثم يقول الملكان : عشت سعيداً ومت حميداً – نم نومة العروس .
اسال الله عز وجل ان نكون من الذين يقال لهم عشت سعيداً ومت حميداً نم نومة العروس اللهم امين .
اما عن ما جاء في وصف ملكي سؤال القبر :
- عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( اذا قبر الميت او قال احدكم اتاه ملكان اسودان ازرقان يقال لاحدهما المنكر وللاخر النكير ) .
- عن ابي هريرة رضي الله عنه قال : شهدنا جنازة مع نبي الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من دفنها , وانصرف الناس قال صلى الله عليه وسلم : ( انه الان يسمع خفق نعالهم اتاه منكر ونكير اعينهما مثل قدور النحاس وانيابهما مثل صياصي البقر واصواتهما مثل الرعد )
** الدرس الرابع **
***
**
* حديث سب الدهر وانكار البعث
ها هي أخطار جسام أخرى بين يديه من نفخ في الصور , والبعث يوم النشور , والعرض على الجبار , والسؤال عن القليل والكثير , ونصب الميزان , ثم الجواز على الصراط , ثم انتظار النداء عند فصل القضاء , إما بالسعادة و إما بالشقاء .
إن من لم يفكر في هذا كله أولى به أن يعيش مع الحمقى لا مع العقلاء , فإنه اذا أتى لك عدو وقال لك ان الطعام الفلاني مسموم فلاشك انك ستاخذ حذرك من هذا الطعام .
فما بالك وقد قال الله لك وهو يحبك لانك عبده وقرر ذلك في كتابه ووضح ذلك رسوله فكيف بك لا ينشغل بهذه الأهوال التي امامك وعلاجها سهل يسير .
ترى ما العلاج ؟! -- ترى اين الملاذ ؟! -- ترى ما العمل واين الطريق ؟!
العلاج -- قل آمنت بالله ثم استقم ---------- التقوى والاستقامة.
إذاً الحل والعلاج لا يحتاج منا سوى توبة لله عز وجل خالصة – ثم تقوى – ثم استقامة .
ولا يليق بمسلم عاقل ولا مفكر متفلسف ان ينكر ما تقدمنا به.
وهل هناك من منكر ؟ ! ففي خلق الانسان عجائب وفي اختلاف تركيب اعضائه واعصابه وتلافيف مخه ونبضات قلبه اشياء محيرة فمن خلق ذلك ؟!
كيف ينكر عاقل الا يعيدها ؟
الحديث القدسي
حديث سب الدهر
-
عن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الله تعالى : كذبني ابن آدم , ولم يكن له ذلك , وشتمني ولو يكن له ذلك , فأما تكذيبه اياي فقوله : لن يعيدني كما بدأني , وليس اول الخلق باهون علي من اعادته واما شتمه اياي فقوله : اتخذ الله ولدا وانا الاحد الصمد , لم الد ولم اولد , ولم يكم لي كفواً احد .
أنظر ايها المسلم الى عظم هذا الحديث ----
وجاء في حديث آخر في سب الدهر
- عن ابي هريرة رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى : يؤذيني إبن آدم يسب الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار .
- جاء في شرح هذا الحديث ---
هذا الحديث يفيد النهي عن سب الدهر , وان من سب الدهر فقد آذى الله تعالى ولا يلزم من الإيذاء الضرر , فمن سب الدهر فقد آذى الله لكن الله تعالى لا يلحقه ضرر ولا يضره أحد من خلقه , ومن ذلك قوله تعالى :-
فهؤلاء يؤذون الله ورسوله , ولكن لا يضرون الله ولا يضرون رسوله .
قوله : ( من سب الدهر ) ما تعريف الدهر ؟ الدهر هو الليل والنهار ولذا قال : ( يسب الدهر وانا الدهر )
( قوله بيدي الامر , اقلب الليل والنهار ) وفي لفظ ( اقلب ليله ونهاره ) ومن سب الدهر فقد سب المدبر للدهر وهو الله تعالى .
لذلك قال : ( بيدي الامر اقلب الليل والنهار ) ومن امثلة سب الدهر على سبيل المثال لا الحصر : لعن اليوم – او الساعة – او الشهر – او كأن يقول احدهم عضنا الدهر , فهذا هو سب الدهر المنهي عنه .
- وأقرأ قوله تعالى في وصف هذا اليوم ( اي يوم البعث ) :-
(وأنذرهم يوم الآزفة) يوم القيامة من أزف الرحيل قرب (إذ القلوب) ترتفع خوفا (لدى) عند (الحناجر كاظمين) ممتلئين غما حال من القلوب عوملت بالجمع بالياء والنون معاملة أصحابها (ما للظالمين من حميم) محب (ولا شفيع يطاع) تقبل شفاعته لا مفهوم للوصف إذ لا شفيع لهم أصلا فما لنا من شافعين أوله مفهوم بناء على زعمهم أن لهم شفعاء أي لو شفعوا فرضا لم يقبلوا . ( تفسير الجلالين )
-
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما انه تعالى يطوي السماوات والارض بيده ثم يقول : انا الملك , انا الجبار , انا المتكبر , اين ملوك الارض ؟ اين الجبارون ؟
- وفي حديث الصور انه عز وجل اذا قبض ارواح جميع خلقه , فلم يبقى سواه وحده لا شريك له حينئذ يقول : ( لمن الملك اليوم ) ثلاث مرات -- ثم يجيب نفسه قائلا ( لله الواحد القهار ) اي الذي قهر كل شئ وغلبه .
- قال ابن عباس رضي الله عنهما : ينادي مناد بين يدي الساعة يا ايها الناس اتتكم الساعة فيسمعها الاحياء والاموات قال وينزل الله عز وجل الى السماء الدنيا ويقول ( لمن الملك اليوم , لله الواحد القهار ) .
يخبر الله عن عدله في حكمه بين خلقه انه لا يظلم مثقال ذرة من خير ولا من شر بل يجزي بالحسنة عشر امثالها وبالسيئة واحدة ولهذا قال تبارك وتعالى : { لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ }غافر 17 كما ثبت في صحيح مسلم : (( يا عبادي اني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا – الى ان قال – يا عبادي انما هي اعمالكم احصيها عليكم ثم اوفيكم اياها فمن وجد خيراً فليحمد الله تبارك وتعالى ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه )) .
- وقوله عز وجل : { إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ }غافر17 اي يحاسب الخلائق كلهم كما يحاسب نفسا واحدة كما قال جل وعلا : {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }لقمان 28 .
وقوله عز وجل { يَوْمَ الْآزِفَةِ }غافر18 هي اسم من اسماء يوم القيامة وسميت بذلك لاقترابها – مثل ان نقول ازف الرحيل .
- وقوله تبارك وتعالى : { إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ }غافر18 قال قتاده : وقفت القلوب في الحناجر من الخوف فلا تخرج ولا تعود الى اماكنها ومعنى ( كاظمين ) اي ساكتين لا يتكلم احد الا باذنه {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً }النبأ38
وقال ابن جريج ( كاظمين ) اي باكين .
- اما قوله سبحانه وتعالى :- { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ }غافر18
اي ليس للذين ظلموا من قريب ينفعهم ولا شفيع يشفع فيهم بل قد تقطعت بهم الاسباب من كل خير .
وسما الله هذا اليوم في سورة مريم ( يوم الحسرة )
وتلتف الخلق فيه في ازدحام شديد من الجن والانس والوحوش والملائكة والطغاة والمتسلطين على خلق الله و و و و و واذعن الجميع هيبة من الله سبحانه وتعالى .
اين الطغاة يومئذ ؟ اين المتجبرين ؟ اين المتسلطين ؟
يجعلهم الله في الارض صغار الاجسام كما جاء في الحديث الشريف (( كهيئة الذر )) لتطأهم الاقدام .
ويحشر الناس على ما كانوا عليه في الدنيا .
- عن جابر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( يبعث كل عبد على ما مات عليه ) رواه مسلم .
اي على الحال التي مات عليها من خير او شر
- وعن كعب بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله الى جسده يوم يبعثه ) رواه مالك والنسائي .
ونسمة المؤمن اي روحه تعلق كالطير في شجر الجنة تأكل منه اي من ثمار شجر الجنة .
- وعن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( اذا اراد الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على اعمالهم ) .
اي ان الامم تعذب ومعهم من ليس منهم بحكم الجوار او السكن فيصاب جميعهم بالعذاب في الدنيا اذا اجترءوا على معصية الله ثم يبعثهم سبحانه على اعمالهم من خير او شر .
فالطائع عند البعث يجازى بعمله والعاصي من المؤمنين الصادقين ان شاء الله عذبه بذنبه وان شاء غفر له .
فالاشتراك في عقاب الدنيا لا يلزم منه بالضرورة عذاب الآخرة بل يجازى كل انسان بعمله من خير او شر .
قال تعالى :-
{كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }المائدة79
(كانوا لا يتناهون) أي لا ينهى بعضهم بعضا (عن) معاودة (منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) فعلهم هذا.
6 - (يوم ترجف الراجفة) النفخة الأولى بها يرجف كل شيء أي يتزلزل فوصف بما يحدث بها
7 - (تتبعها الرادفة) النفخة الثانية بينهما أربعون سنة والجملة حال من الراجفة واسع للنفختين وغيرهما فصح ظرفيته للبعث الواقع عقب الثانية
8 - (قلوب يومئذ واجفة) خائفة قلقة
9 - (أبصارها خاشعة) ذليلة لهول ما ترى
10 - (يقولون) أي أرباب القلوب والأبصار استهزاء وإنكارا للبعث (أئنا) بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين في الموضعين (لمردودون في الحافرة) أي أنرد بعد الموت إلى الحياة والحافرة اسم لأول الأمر ومنه رجع فلان حافرته والحافرة إذا رجع من حيث جاء
11 - (أئذا كنا عظاما نخرة) وفي قراءة ناخرة بالية متفتتة نحيا
12 - (قالوا تلك) أي رجعتنا إلى الحياة (إذا) إن صحت (كرة) رجعة (خاسرة) ذات خسران
13 - (فإنما هي) أي الرادفة التي يعقبها البعث (زجرة) نفخة (واحدة) فاذا نفخت
14 - (فإذا هم) أي كل الخلائق (بالساهرة) بوجه الأرض أحياء بعد ما كانوا ببطنها أمواتا .
وفي الحديث الشريف : ( قال صلى الله عليه وسلم , يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء ( اي يضرب لونها الى الحمرة ) كقرصة النقي ( اي الخبز الأبيض إذا خرج من النار ) ليس فيها علم لاحد – وفي رواية ليس فيها معلم لأحد – أي لم توطأ من قبل . رواه الشيخان واللفظ لمسلم .
كيف يحشر الناس يوم القيامة ؟
عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا ( بضم الغين وتسكين الراء ) قلت يارسول الله : النساء والرجال جميعاً ينظرون بعضهم الى بعض .
قال صلى الله عليه وسلم : يا عائشة الأمر اشد من أن ينظر بعضهم الى بعض _ البخاري , ومسلم ......
حفاة : جمع حاف , من ليس في رجله نعل .
عراة : ليس على أجسامهم اي ستر .
غرلا : لم يختتنوا , والمراد يخلقون كما خلقوا اول مرة لاشئ معهم , ولا ينقص منهم شئ , بل يضاف اليهم ما نقص منهم ( راجع المنتخب في السنة المجلد الثاني ) .
_ وعن ابن عباس رضي الله عنهما : قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً بموعظة , فقال : يأيها الناس إنكم تحشرون الى الله حفاة عراة غرلا , كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين , ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي , فيؤخذ بهم ذات الشمال , فاقول : يارب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فاقول كما قال العبد الصالح ( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد , إن تعذبهم فإنهم عبادك , وإن تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم ) فيقال لي : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم . ( البخاري ومسلم ) .
_ وفى رواية البيهقى من حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال :
(( أول الناس يُكسى من الجنة يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ويأتى بى فأُكسى حُلّة من الجنة لايقوم لها البشر )) . . . بأبي أنت وأمي يا حبيبي يارسول الله .
وفي هذا الحديث الشريف يتضح أن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام , وذلك لانه جرد من ملابسه حين ارادوا إلقاءه في النار , وقيل لانه لم يكن في الارض اخوف منه .
والعبد الصالح : عيسى ابن مريم . . .
_ وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين راهبين , واثنان على بعير وثلاثة على بعير , وأربعة على بعير , وعشرة على بعير , وتحشر بقيتهم إلى النار , تبيت معهم حيث باتوا , وتقيل معهم حيث قالوا , وتصبح معهم حيث اصبحوا , وتمسي معهم حيث أمسوا . ( البخاري ومسلم ) .
تفسير مفردات الحديث :-
راغبين راهبين : أي جامعين بين الخوف من العذاب , والطمع في رحمته , وهؤلاء هم اصحاب اليمين , الذين خلطوا عملاً صالحاً , وآخر سيئاً , وهم أكثر المؤمنين , ويحشر الناس على طرائق , طائفة تركب البعر ( جمع بعير ) والرسول صلى الله عليه وسلم يخاطب المؤمنين بما هو معهود لديهم من ادوات الركوب وهذه الفئه التي تخرج من قبورها فتكرم , هم السابقون الكاملون في الإيمان . . . اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك يارب .
أما اصحاب الشمال : فهم المعنون بقوله و تحشر بقيتهم الى النار . . . . الخ .
وفي حديث آخر : يبعث الناس حفاة عراة غرلا , قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان . ( الشيخان ) .
وآخر في الصحيحين : يحشر الناس ثلاثة أصناف ركبانا ومشاة وعلى وجوههم , قال رجل: يارسول الله : كيف يمشون على وجوههم , قال : الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم . . .
أن في طبع الآدمي أن ينكر أي شئ لم يأنس به , وهذه الحية تمشي على بطنها كالبرق الخاطف , فمن الذي أعطى لها هذه القدرة . . ؟إنه هو الله جلت قدرته وتقدست اسماءه .
_ عن علي رضي الله عنه انه سال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية : {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً } الى آخرها قال : قلت يا رسول الله ما الوفد الا ركب ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفسى بيده انهم اذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة عليها رحال الذهب , شرك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مثل مد البصر , وينتهون الى باب الجنة , فاذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب , واذا شجرة على باب الجنة ينبع من أصلها عينان فاذا شربوا من أحدهما جرت في وجوههم بنضرة النعيم , واذا توضئوا من الاخرى لم تشعث أشعارهم ابداً فيضربون الحلقة بالصفيحة فلو سمعت طنين الحلقة يا على فيبلغ كل حوراء ان زوجها قد أقبل فتستخفها العجلة فتبعث قيمها ( خادمها ) فيفتح له الباب , فلولا ان الله عز وجل عرفه نفسه لخر له ساجداً مما يرى من النور والبهاء فيقول انا قيمك الذي وَكلت’ بامرك فيتبعه فيقفو أثره فياتي زوجته فتستخفها العجلة فتخرج من الخيمة فتعانقه وتقول : انت حبي ( حبيبي ) وانا حبك( حبيبتك ) وانا الراضية فلا أسخط أبدا , وانا الناعمه فلا أباس أبداً وانا الخالده فلا أظعن أبداً ( لا افارقك ) فيدخل بيتاً من اساسه الى سقفه مائة الف ذراع مبني على جندل اللؤلؤ والياقوت , طرائق حمر وطرائق خضر وطرائق صفر , ما منها طريقة تشاكل صاحبتها فياتي الأريكة فاذا عليها سرير على السرير سبعون فرشاً , على كل فراش سبعون زوجة , على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من باطن الحلل , يقضي جماعهن في مقدار ليلة تجرى من تحتهم انهار مطردة , انهار من ماء غير آسن ( لم يتغير طعمه وريحه ) صاف ليس فيه كدر , وانهار من عسل مصفى ( لم يخالطه الشمع ) لم يخرج من بطون النحل , وانهار من خمر لذة للشاربين لم تعصره الرجال باقدامها , وانهار من لبن لم يتغير طعمه لم يخرج من بطون الماشية , فاذا اشتهوا الطعام جاءتهم طير بيض فترفع اجنحتها فياكلون من جنوبها , من اي الالوان شاءوا , ثم تطير فتذهب , وفيها ثمار متدلية ( متفرعة قربة للجنى ) إذا اشتهوها انبعث ( وصل , يقال بعثت رسولاً او صلته وابعثته وانبعث ) الغصن اليهم فياكلون من اي الثمار شاءوا ان شاء قائماً وان شاء متكئاً و وذلك قوله : { وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ } وبين ايديهم خدم كاللؤلؤ .... رواه ابن ابي الدنيا في كتاب صفة الجنة عن الحارث . ( الترغيب والترهيب الجزء الرابع - في صفة دخول اهل الجنة الجنة وغير ذلك ) ص 494.
نسال الله عز وجل ان يجعلنا منهم , انه على ما يشاء قدير . . . اللهم امين .
اذاً يساق الناس جميعاً الى ارض المحشر , هذه الارض البيضاء الصفصف لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً , ولا نظن ان الارض هذه مثل أرضنا التي نعيش عليها , فيكفينا من ذكر الآخرة , ان الاسماء فيها وان تشابهت أسماء الدنيا فحقيقة هذه الأسماء لا يعلمها الا الله .
قال تعالى في صفة ارض المحشر :-
48 - اذكر (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات) هو يوم القيامة فيحشر الناس على أرض بيضاء نقية كما في حديث الصحيحين وروى مسلم حديث سئل النبي صلى الله عليه وسلم أين الناس يومئذ قال على الصراط (وبرزوا) خرجوا من القبور (لله الواحد القهار) .
ويسمع الخلائق انفجارات هائلة اشد فتكا من الانفجارات الذرية التي سمعوا عنها في الدنيا انها انشقاق الطبقات العليا المحيطة بالكون و السموات
16 - (وانشقت السماء فهي يومئذ واهية) ضعيفة .
فيبدو الجو كالفضة المذابة تخالطها صفرة فصارت وردة كالدهان , واشتبك الناس كالفراش المبثوث , قد الجمهم العرق , وخشعت الاصوات فلا تسمع الا همساً .
108 - (يومئذ) أي يوم إذ نسفت الجبال (يتبعون) أي الناس بعد القيام من القبور (الداعي) إلى المحشر بصوته وهو إسرافيل يقول هلموا إلى عرض الرحمن (لا عوج له) أي لاتباعهم أي لا يقدرون أن لا يتبعوا (وخشعت) سكنت (الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا) صوت وطء الأقدام في نقلها إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل في مشيها .
لم نكن نحن سكان كوكبنا في مجموعتنا الشمسية فحسب , بل كل من في السموات والارض كلهم آتيه يوم القيامة فرداً .
سنرى اننا لم نكن وحدنا في الحياة الدنيا فهناك في ملكوت الله الذي اخفاه عنا في العوالم التي بيننا وبينها ملايين السنين الضوئية مخلوقات ستجتمع بنا يوم المحشر في مكان واحد .
29 - (ومن آياته خلق السماوات والأرض) خلق (وما بث) فرق ونشر (فيهما من دابة) هي ما يدب على الأرض من الناس وغيرهم (وهو على جمعهم) للحشر (إذا يشاء قدير) في الضمير تغليب العاقل على غيره .
فجميع خلق الله في سمواته واراضيه وكواكبه ونجومه وما خفي مما لا يعلمه الا الله وحده سيكون في هذا الموقف الرهيب ويعود العالم الكوني كما بدا تحقيقا لقوله تعالى :-
104 - (يوم) منصوب باذكر مقدرا قبله (نطوي السماء كطي السجل) اسم ملك (للكتب) صحيفة ابن آدم عند موته واللام زائدة أو السجل الصحيفة والكتتتاب بمعنى مكتوب واللام بمعنى على وفي قراءة للكتب جمعا (كما بدأنا أول خلق) من عدم (نعيده) بعد إعدامه فالكاف متعلقة بنعيد وضميره عائد إلى أول وما مصدرية (وعدا علينا) منصوب بوعدنا مقدرا قبله وهو مؤكد لمضمون ما قبله (إنا كنا فاعلين) ما وعدنا .
وفي شدة حر ذلك اليوم :-
ففى صحيح مسلم من حديث المقداد أنه صلى الله عليه وسلم قال : (( تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم مقدار ميل )) قال الراوى : فواللـه ماأدرى مايعنى بالميل : أمسافة الأرض ، أو الميل الذى تكحل به العين ؟! قال : (( فيكون الناس على قدر أعمالهم فى العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً )) وأشار صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه . رواه الترمذي .
أنظر أيها المسلم الى هذا المشهد الذي تشيب له الولدان حيث تكون قوة الحرارة أضعاف أضعاف ما يتصوره العقل ولهيب الشمس قد دنا من رءوس العباد فلم يبقى من الظلال ما يحمي الرءوس الملتهبة إلا ظل العرش واشتد الكرب والغم وتدافعت الخلائق دفع بعضهم بعضاً لشدة الزحام واختلاف الاقدام وكل انسان في خجل من افتضاح امره ففاض العرق من اصل كل شعرة حتى سال على صعيد القيامة ثم ارتفع على ابدانهم على قدر منازلهم عند الله فمنهم بلغ العرق ركبتيه وبعضهم حقويه وبعضهم شحمة أذ نيه وبعضهم كاد يغيب فيه .
- وفى الصحيحين من حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال فى قوله تعالى : {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } قال المصطفى صلى الله عليه وسلم : (( يقوم أحدهم فى رشحه إلى أنصاف آذانهم )) . رواه البخاري .
- وحديث آخر يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الارض سبعين باعا ويلجمهم ويبلغ آذانهم . رواه البخاري ومسلم . . .
يلقى الناس من الأهوال والكرب حتى يقول أحدهم : رب أرحني من هذا الكرب ولو الى النار .
كل ذلك قبل الحساب وغيره , ولو سلم الآدمي لعمل لهذا اليوم حسابه وأعد عدته , فعرق في صلاة وصيام وجهاد وحج , وقضاء حاجة مسلم , وأمر بمعروف ونهي عن منكر , وتعب في هذه الدنيا , وشمر عن ساعد الجد فلن يمسه عرق الآخرة .
وهكذا تظل الخلائق شاخصة أبصارهم منفطرة قلوبهم لا يأكلون ولا يشربون الى ما شاء الله .
أقول قولى هذا وأستغفر اللـه لى ولكم
وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه الى يوم الدين
_ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : الإمام العادل ، والشاب نشأ في عبادة الله عز وجل ، ورجل قلبه معلق بالمساجد ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك ،وتفرقا عليه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال : إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه . رواه البخاري ومسلم وغيرهما .
الحديث من كتاب الترغيب والترهيب ج (1) ص (216)
أحبتي في الله – يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف انه في يوم القيامة , يوم العرض على الله عندما تدنو الشمس من الرؤوس ويبلغ الكرب مبلغاً لا يعلمه الا الله --- فلا ظل ولا شجر ، ولا شئ يقي من حر الشمس الدانية من رؤوس العباد – حينها يتنزل الله نزولا يليق بجلاله – على عرشه – ويحمل عرشه جل وعلا ثمانية من الملائكة ، وهو مستو على عرشه إستواء يليق بجلاله وعظيم سلطانه – فإذا تنزل نادى بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد ، ويقول : ( انا الملك – أين ملوك الأرض ؟ ) .
ويقول عز وجل كما جاء في حديث آخر : ( لمن الملك اليوم – لمن الملك اليوم ) فيجيب نفسه بنفسه ، فيقول : ( لله الواحد القهار ) .. وفي ذلك الموقف العظيم الذي يجتمع فيه الأولين والآخرين --- لا ظل الا ظل عرش الله عز وجل ---
وهناك مجموعة أو اصناف من الناس اختصهم الله بالإستظلال بظل العرش ---- فمن هم هؤلاء ياترى ؟ !!
هؤلاء هم من ذكرهم الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق – وهم سبعة أصناف .
تعال معي أخي الحبيب ، تعالي أختاه ، لنتعرف عليهم ، والله اسال أن نكون منهم يارب .
1- إمام عادل :-
وهو من عدل في رعيته وحكم فيهم بكتاب الله وسنة رسوله سواء كان أمير عامة او امير خاصة كما يقول ابن تيميه رحمه الله ، حتى أن بعض أهل العلم يقول : من عدل بين طالبين فهو إمام عادل فاذا قام الأستاذ بإمتحان طالبين فعدل بينهما فهو من هؤلاء السبعة ، اذاً ، فالإمام العادل يكون في أي مكان – في البيت وفي المدرسه وفي العمل .
2- شاب نشأ في عبادة الله :-
لقد خص الله عز وجل الشباب بالخطاب ، وذلك لأن العدد الأكبر في المجتمع هو من الشباب والشابات , وليس هذا فحسب ، بل لأن العوامل النفسية في هذه المرحله تلعب بعواطف الشباب وخاصة من هم في سن المراهقة ، فالمغريات أمامهم ، سواء أكان في البيت ، وما يشاهده الشاب ، وخاصه الفتيات من القنوات الفضائية ، والمسلسلات المدبلجة وغير المدبلجة والأفلام ، أو في الشارع ورؤية الكاسيات العاريات , أو في المدارس والجامعات المختلطه ، أو في العمل وتزاحم الفتيات في الوظائف والخلوات المحرمه ، كل هذا يتعرض له الشباب يومياً .
فالشاب كالقنبلة النووية الموقوتة متى انفجرت بفعل الشهوة العارمه التي تجتاح جسمه ، دمرت المجتمع بالكامل . هذه هي طبيعة تركيبته في هذه المرحلة الخطيره حتى أن علماء النفس أعطوا جُل إهتماماتهم في بحوثهم ودراساتهم لإدراكهم أن مرحلة المراهقه ، مرحلة هامه ، وهامة جداً . اذاً لابد من أن يتميز الشاب الطائع ، المحافظ ، المتمسك بالله عز وجل ، بميزة لا يمتاز بها أحد غيره ، وأن يحظى بهذه المنزلة ، ألا وهي الوقوف تحت ظل عرش الرحمن جل وعلا ، بتجنبه المعاصي والفتن التي كانت تصارعه أينما حل وارتحل ، وبدنوه من الله بالتقرب اليه عز وجل بالطاعات ، ويقيم حدود الله ، والمحافظة على الصلوات في وقتها وفي بيوت الله عز وجل . كن اخي مثل هذا الشاب ، الطائع لله ، ذو الوجه المتلألئ من نور الله عز وجل ، بطاعته إياه جل وعلا ، تُرى من هو هذا الشاب ؟!
إنه أبو أيوب السختياني
_ كان أبو أيوب السختياني في العشرين من عمره إذا خرج الى السوق ، نظر الناس الى وجهه فتركوا بضائعهم وقاموا على أرجلهم يقولون : ( لا اله الا الله ) .
أنظر ، مجرد مرور هذا الرجل من أمام الناس يذَكّرهم بالله جل وعلا ، وإياك أن تعتقد أن الوقوف له خوفاً منه ، فانه ليس بملِك ، ولا ذو سُلطان ، اذاً ما هو سبب الوقوف اذاً ؟! إنها طاعته لله عز وجل ، جعلت الناس يستحييون أن يبقوا جالسين وهو يمر من بين أيديهم ، فالوقوف إحتراماً له وتقديراً له بفضل طاعته وعلمه . _ حتى يقول الحسن البصري إذا رأى أيوب السختياني : هذا سيد شباب البصرة ، وإني لأظنه من أهل الجنة . كان لايعرف الا الله عز وجل فكان من بيته الى مسجده يقرأ الحديث على الناس فتغلبه دموعه فيُغَطي أنفه ويقول : ما أشد الزكام !! ليظهر للناس أنه أصابه الزكام . وكان كما يقول الإمام مالك : ما ظننت أن في أهل العراق خيراً حتى رأيت أيوب بن أبي تيميه . فاحرص أيها الشاب ، واحرصي أختاه -------- أن تكونوا مثل هذا الشاب .
3- ورجل قلبه معلق بالمساجد :- قال تعالى :-
{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ }النور36 هذا النور المضيء في مساجد أَمَرَ الله أن يُرْفع شأنها وبناؤها، ويُذْكر فيها اسمه بتلاوة كتابه والتسبيح والتهليل، وغير ذلك من أنواع الذكر، يُصلِّي فيها لله في الصباح والمساء. {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ }النور37
رجال لا تشغلهم تجارة ولا بيع عن ذِكْرِ الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة لمستحقيها, يخافون يوم القيامة الذي تتقلب فيه القلوب بين الرجاء في النجاة والخوف من الهلاك، وتتقلب فيه الأبصار تنظر إلى أي مصير تكون؟
ليعطيهم الله ثواب أحسن أعمالهم، ويزيدهم من فضله بمضاعفة حسناتهم. والله يرزق مَن يشاء بغير حساب، بل يعطيه مِنَ الأجر ما لا يبلغه عمله، وبلا عدٍّ ولا كيل.
- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا رأيتم الرجل يعتاد ( أي يواظب على أداء الفرائض مع الإمام دائماً ) المساجد فاشهدوا له بالإيمان (اي يحسن العقيدة في الله ورسله وانه مصدق بوجود الله وملائكته وكتبه ورسله وانه يعمل صالحا لله ) . قال الله عز وجل : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ . [رواه الترمذي واللفظ له ، وقال حديث حسن غريب ، وابن ماجه ، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم ، كلهم من طريق درّاج ابي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد وقال الحاكم صحيح الإسناد ] .
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما توطن ( أي ما أَلِفَ الذِهاب الى المساجد وأعتاد ذلك ) رجل المساجد للصلاة ، والذكر الا تَبَشْبَشَ ( اي قابله الله بالرضى والرحمة ) الله تعالى اليه كما يَتَبَشْبَشُ ( يفرح وينشرح ) اهل الغائب بغائبهم اذا قدم عليهم . [رواه ابن ابي شيبة وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ] ..
- حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه، ما لم يحدث: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة). [صحيح البخاري 628]
اذاً أحبتي في الله ، من هذا العرض البسيط على سبيل المثال لا الحصر ، يتضح لنا ، أن بيوت الله في الأرض المساجد وأن عمارها زوارها --- فكان حقاً على الله عز وجل أن يكرم روادها ، فهم ضيوف على الله في بيته ، طالما قلوبهم تعلقت بصلاة الجماعة وتركوا أشغالهم وانشغلوا بالآخرة عن الدنيا ، لهذا استحقوا أن يظلهم الله عز وجل بظله يوم لا ظل الا ظله .
اللهم اجعلنا من الذين تعلقت قلوبهم بالمساجد يارب العالمين ---- اللهم امين .
4- ورجلان تحابا فى اللـه اجتمعا على ذلك ، وتفرقا عليه :-
- ( حديث المتحابين في الله تعالى ) أخرجه مسلم في صحيحه من كتاب الفضائل – باب – ( فضل الحب في الله تعالى ) ج 9 ص 460 من هامش القسطلاني .
- حدثنا قتيبة بن سعيد ، عن مالك بن أنس فيما قُرِئَ عليه عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر ، عن أبي الحباب ، سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم : إن الله يقول يوم القيامة : أين المتحابون بجلالي ؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي ) .
- كما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر المتحابين في الله فيقول صلى الله عليه وسلم : ( قال الله عز وجل : المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء ) .
أي كان اجتماعهما على طاعة الله عز وجل ، بسبب المحبة في الله تعالى ، لا لمصلحة دنيويه ، ولا من أجل حسب ولا نسب .. لا لتجارة .. ولا لوساطة أو منفعة ، لا لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها .
من أجل هذا كله ، استحقا ان يظلهم ربهم جل وعلا في ظله يوم لا ظل الا ظله .
5- ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال : إني أخاف الله :- قال تعالى :-
ودعت امرأة العزيز -برفق ولين- يوسف الذي هو في بيتها إلى نفسها; لحبها الشديد له وحسن بهائه, وغلَّقت الأبواب عليها وعلى يوسف, وقالت: هلمَّ إليَّ, فقال: معاذ الله أعتصم به, وأستجير مِن الذي تدعينني إليه, من خيانة سيدي الذي أحسن منزلتي وأكرمني فلا أخونه في أهله, إنه لا يفلح مَن ظَلَم فَفَعل ما ليس له فعله.
ما أصعب هذا الموقف بما يمتاز به عن غيره -- لقد طلبته للفاحشة وهي ذات منصب -- أي ذات مكانه وحسب ونسب -- والمعنى أنه لا يخاف من الوقوع بها ، فإنها لمنصبها ، ومكانتها ، قادرة على أن لا تصل لها يد القانون ، ولا حتى الّسِنَة الناس ، فهي تستطيع أن تخلصه ونفسها من أي مكروه قد يترتب على الوقوع بها ، ولا تخاف من إقامة الحدود ، وهي ايضاً ذات جمال فهي تدعوه بجمالها ومكانتها ، فلِمَ الخوف ، إن كان الأمر كذلك ؟؟؟!!!
إنه الخوف من الله رب العالمين : { إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ }.
6- ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه :-
إن تظهروا ما تتصدقون به لله فنِعْمَ ما تصدقتم به, وإن تسرُّوا بها, وتعطوها الفقراء فهذا أفضل لكم; لأنه أبعد عن الرياء, وفي الصدقة -مع الإخلاص- محو لذنوبكم. والله الذي يعلم دقائق الأمور, لا يخفى عليه شيء من أحوالكم, وسيجازي كلا بعمله.
- وذكر أن علي بن الحسين زين العابدين ، كان يخرج في آخر الليل فيأخذ من الدقيق ومن السمن ومن الزبيب على ظهره ويمر على فقراء المدينة ويعطيهم في ظلام الليل بحيث لا يراه الا الله .
فلما مات وجاء الناس يغَسِّلونه وجدوا أثر خيوط الحبال على كتفيه فسألوا أهله ماله ؟ قالوا هذا من كثرة ما كان يحمل من الدقيق ، ومن التمر ، والزبيب ، ويوزع على الفقراء . فالصدقة فضلها كبير وأجرها أعظم ومضاعف ومكفِّرة للسيئات ، وخاصه اذا كانت في السر والخفاء .
7- ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه :-
يقول ابن القيم :- قال تقي الدين ابن شطير : خرجت يوماً من الأيام وراء ابن تيميه ، فمضى شيخ الاسلام في طريقه ، بحيث أراه ولا يراني ، قال : فانتهى الى مكان ، فرأيته وقد رفع طرفه الى السماء ، وقال : لا اله الا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شئ قدير ، ثم بكى ثم قال :
وأخرج من بين البيوت لعلني --- أحدث عنك النفس بالسر خالياً
هذا أحبتي في الله دليل الإخلاص ... وتعريفه :-
هو افراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد .. وهو أن يريد بطاعته التقرب الى الله سبحانه دون شئ آخر .. من تصّنع المخلوق .. أو إكتساب صفة حميدة عند الناس .. أو محبة مدح من مخلوق .. أو معنى من المعاني .. سوى التقرب به الى الله تعالى ..
ويصح أن يقال .. هو تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين .
إذاً فذكر الله خالياً أي لا يكون بحضرة أحد هو أبعد عن الشبهة وعن الرياء والسمعة ... وذكر الله لا يلزم أن يكون تسبيحاً وتكبيراً وتحميداً وتهليلاً في الخلوة .. ولكن يقول بعض أهل العلم : من رأى مبتلى فدمعت عيناه فهو من الذاكرين الله . لأن من المبتلين (أي أصحاب الإبتلاء ، بجميع اشكاله ،كَبَتر أرجل أو بتر يد أو مرض عُضال ، أو هدم بيت ، أو فقدان حبيب ) اذا رآهم المؤمن تدمع عيناه لانه يذكر نعمة الله عليه ، فهذا كأنه ذكر الله بلسانه ، وكذلك قد تدمع عيناه في الخلوه عندما يتذكّر ذنوبه وخطاياه . اللهم اجعلنا من الذين فاضت عيناهم في خلوة فَنَظَرَ الله الينا وعَلمَ أنها دموع التائبين ، المخلصين ، فيظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله ........... اللهم امين .
هذا والله أعلم
أقول قولى هذا وأستغفر اللـه لى ولكم
وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه الى يوم الدين
** الى اللقاء في الدرس القادم بحوله تعالى **
أسال الله عز وجل ، أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم
وقم - أيها النبي- من نومك بعض الليل، فاقرأ القرآن في صلاة الليل؛ لتكون صلاة الليل زيادة لك في علو القدر ورفع الدرجات، عسى أن يبعثك الله شافعًا للناس يوم القيامة؛ ليرحمهم الله مما يكونون فيه، وتقوم مقامًا يحمدك فيه الأولون والآخرون.
انه حديث الشفاعة المشهور ، والذي يجسد لنا فيه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أعظم مشاهد ومواقف يوم القيامة وكلها عظيم .
لقد طال إنتظار الناس في أرض المحشر ، وزاد خوفهم ورعبهم وهم ينتظرون فصل القضاء ، وزاد رعبهم وتزلزلت قلوبهم وهم يرون الملائكة يجرون جهنم ، والذي سوف نتحدث عنه في درسنا عن النار .
لقد فكرت الناس في أحد ليخلصهم من هول وكرب هذا الموقف وحرارة الشمس والعرق الذي يلجمهم .
فمن يا ترى غير الانبياء يستطيع ان يتكلم ؟؟!! فذهبوا الى المرسلون فتذكر المرسلون ذنوبهم ، فيذكرون أبوهم آدم .
فيذهبوا الى آدم عليه وعلى نبينا افضل الصلاة والسلام ، فيقول : وَإِنّهُ نَهَانِي عَنِ الشّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ .
رب إني دعوت قومي إلى الإيمان بك وطاعتك في الليل والنهار, فلم يزدهم دعائي لهم إلى الإيمان إلا هربًا وإعراضًا عنه, وإني كلما دعوتهم إلى الإيمان بك؛ ليكون سببًا في غفرانك ذنوبهم, وضعوا أصابعهم في آذانهم ; كي لا يسمعوا دعوة الحق, وتغطَّوا بثيابهم؛ كي لا يروني, وأقاموا على كفرهم, واستكبروا عن قَبول الإيمان استكبارًا شديدًا, ثم إني دعوتهم إلى الإيمان ظاهرًا علنًا في غير خفاء, ثم إني أعلنت لهم الدعوة بصوت مرتفع في حال, وأسررت بها بصوت خفيٍّ في حال أخرى .
انظر اخي الكريم الى هذه المعاناة التي عاناها نوح عليه السلام ، في دعوته لقومه ، والتي استمرت ألف سنة إلا خمسين عاماً ، مما جعله يدعو عليهم .
وقال نوح -عليه السلام- بعد يأسه من فهمه: ربِّ لا تترك من الكافرين بك أحدًا حيًّا على الأرض يدور ويتحرك ، إنك إن تتركهم دون إهلاك يُضلوا عبادك الذين قد آمنوا بك عن طريق الحق, ولا يأت من أصلابهم وأرحامهم إلا مائل عن الحق شديد الكفر بك والعصيان لك. [ التفسير الميسر ] .
سوف نعرض عليكم أحبابي الكرام من خلال هذا الحديث الشريف كذبات سيدنا إبراهيم الثلاثة ، وهل كَذَبَ إبراهيم بالفعل ؟؟!!
3179 - حدثنا سعيد بن تليد الرعيني: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني جرير بن حازم، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاثا).
حدثنا محمد بن محبوب: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، ثنتين
منهن في ذات الله عز وجل. قوله: {إني سقيم}. وقوله: {بل فعله كبيرهم هذا}. وقال: بينا هو ذات يوم وسارة، إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن هاهنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني، فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ، فقال: ادعي الله ولاأضرك، فدعت الله فأطلق. ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت فأطلق، فدعا بعض حجبته، فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان، إنما أتيتموني بشيطان، فأخدمها هاجر، فأتته وهو يصلي، فأومأ بيده: مهيا، قالت: رد الله كيد الكافر، أو الفاجر، في نحره، وأخدم هاجر). قال أبو هريرة: تلك أمكم، يا بني ماء السماء.
فنظر إبراهيم نظرة في النجوم ( لإعتقاد قومه بعلم النجوم فأوهمهم أنه إستدل بأمارة ) متفكرًا فيما يعتذر به عن الخروج معهم إلى أعيادهم , فقال لهم: إني مريض ، وهذا تعريض منه ، فتركوه ورآء ظهورهم.
وكان منتشر مرض الطاعون في ذلك الوقت وكان أغلب الأسقام عليهم فهربوا خوفاً من العدوى وتفرقوا عنه ذاهبين الى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام وليس معه أحد ففعل بالأصنام مافعل .
وجيء بإبراهيم وسألوه منكرين: أأنت الذي كسَّرْتَ آلهتنا؟ يعنون أصنامهم.
وتمَّ لإبراهيم ما أراد من إظهار سفههم على مرأى منهم، فقال محتجًا عليهم معرِّضًا بغباوتهم: بل الذي كسَّرها هذا الصنم الكبير, فاسألوا آلهتكم المزعومة عن ذلك, إن كانت تتكلم أو تُحير جوابًا. [ التفسير الميسر ]
فيقول سيدنا إبراهيم بعد ذكره تلك الكذبات الثلاثة , نفسي نفسي , إذهبوا الى غيري . . . اذْهَبُوا إِلَى مُوسَىَ.
فيأتون الى موسى ، فيقول : وَإِنّي قَتَلْتُ نَفْساً لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا.
ودخل موسى المدينة مستخفيًا وقت غفلة أهلها, فوجد فيها رجلين يقتتلان: أحدهما من قوم موسى من بني إسرائيل, والآخر من قوم فرعون, فطلب الذي من قوم موسى النصر على الذي من عدوه, فضربه موسى بجُمْع كفِّه فمات, قال موسى حين قتله: هذا من نزغ الشيطان, بأن هيَّج غضبي, حتى ضربت هذا فهلك, إن الشيطان عدو لابن آدم, مضل عن سبيل الرشاد, ظاهر العداوة. وهذا العمل من موسى عليه السلام كان قبل النبوة.
فيقول : نَفْسِي. نَفْسِي. اذْهَبُوا إِلَى عِيسىَ صلى الله عليه وسلم.
فيأتون الى عيسى عليه السلام فيقول :
إِنّ رَبّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ذَنْباً. نَفْسِي. نَفْسِي. اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي. إِذْهَبُوا إِلَى مُحَمّدٍ صلى الله عليه وسلم.
فيأتون الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فيقول : أنا لها ، أنا لها .
ولسوف يعطيك ربك -أيها النبي- مِن أنواع الإنعام في الآخرة, فترضى بذلك.
وعد شامل لما أعطاه من كمال النفس وظهور الامر وإعلاء الدين ولما ادخر له مما لا يعرف كنهه سواه .
قال الشاعر :-
قرأنا في الضحى ولسوف يعطى **** فسر قلوبنا ذاك العطاء
وحاشا يا رسول الله ترضى **** وفينا من يعذب أو يساء
قال النسفي : ولسوف يعطيك أي في الآخرة ومقام الشفاعة وغير ذلك ولما نزلت قال صلى الله عليه وسلم (( اذاً لا أرضى قط وواحد من أمتي في النار )) .
باب دعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم لأُمته وبكائه شفقة عليهم
هذا الحديث مشتمل على أنواع من الفوائد: منها بيان كمال شفقة النبيّ صلى الله عليه وسلم على أمته واعتنائه بمصالحهم واهتمامه بأمرهم. ومنها استحباب رفع اليدين في الدعاء. ومنها البشارة العظيمة لهذه الأمة زادها الله تعالى شرفاً بما وعدها الله تعالى بقوله: سنرضيك في أمتك ولا نسوءك، وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة أو أرجاها. ومنها بيان عظم منزلة النبيّ صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى وعظيم لطفه سبحانه به صلى الله عليه وسلم ، والحكمة في إرسال جبريل لسؤاله صلى الله عليه وسلم إظهار شرف النبيّ صلى الله عليه وسلم وأنه بالمحل الأعلى فيسترضى ، ويكرم بما يرضيه والله أعلم.
وهذا الحديث موافق لقول الله عز وجل: {ولسوف يعطيك ربك فترضي}. وأما قوله تعالى: ولا نسوءك فقال صاحب التحرير: هو تأكيد للمعنى أي لا نحزنك لأن الإرضاء قد يحصل في حق البعض بالعفو عنهم ويدخل الباقي النار فقال تعالى: نرضيك ولا ندخل عليك حزناً بل ننجي الجميع والله أعلم.
- حدثنا مجاهد بن موسى وأبو إسحاق الهروي، إبراهيم بن عبد الله بن حاتم قالا: ثنا هشيم. أنبأنا علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة، عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((أنا سيد ولد آدم ولا فخر. وأنا أول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة ولا فخر. وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر. ولواء الحمد بيدي يوم القيامة ولا فخر)). [ صحيح البخاري ].
وماذا بعد هذا الإستعراض لبعض الأحاديث النبوية . . .
يقول الله جل وعلا قد شفّعتك ... أنا آتيكم لأقضي بينكم .
بأبي أنت وأمي يا حبيبي يارسول الله ، صلى عليك الله يا علم الهدى .
هذا هو المقصود من قوله تعالى :
قال النسفي : عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً وهو مقام الشفاعة عند الجمهور أو هو مقام يعطى فيه لواء الحمد .
وقال الغزالي : واعلم أنه اذا حق دخول النار على طوائف المؤمنين فإن الله تعالى يقبل بفضله فيهم شفاعة الأنبياء والصديقين بل شفاعة العلماء والصالحين وكل من له عند الله تعالى جاه وحسن معاملة فإن له شفاعة في أهله وقرابته وأصدقائه ومعارفه .
فكن حريصاً أن تكتسب لنفسك عندهم رتبة الشفاعة وذلك بأن لا تحقر آدمياً أصلاً فإن الله تعالى خبأ ولايته في عباده فلعل الذي تزدريه عينك هو ولى الله .
ولا تصتصغر معصية أصلاً فإن الله تعالى خبأ غضبه في معاصيه فلعل مقت الله فيه ولا تستحقر طاعة أصلاً فان الله تعالى خبأ رضاه وطاعته فيه ولو الكلمة الطيبه أو اللقمة أو النية الحسنة أو ما يجري مجراه .
يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم فأرجع لأقف مع الناس في أرض المحشر ، وتنتظر البشرية كلها مجئ الملك جل وعلا .
هذا والله أعلم
أقول قولى هذا وأستغفر اللـه لى ولكم
وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه الى يوم الدين
** الى اللقاء في الدرس القادم بحوله تعالى **
أسال الله عز وجل ، أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم
لقد بلغ الأمر بالناس في أرض المحشر كما ذكرنا في الدروس السابقة من شدة حرارة الشمس التي لا تبعد الا ميل واحد فوق الرؤوس وقلنا ان الميل ليس بالمقاييس الأرضيه اي الميل الأرضي بل قال الرواة أنه عود المكحل ، ويشتد العطش بالناس ، في هذا المشهد وفي هذه اللحظات تتجلى قدرة الخالق جل وعلا بالمؤمنين ، إنه هو الرؤوف الرحيم ، الذي يرحم عباده في هذا اليوم ، ولا يتركهم عطشى ، فيكرمهم الله عز وجل بالحوض الذي وعد نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولكل نبي حوض كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم .
_ 2560 _ حدثنا أحمد بن محمد بن نيزك البغدادي ، أخبرنا محمد بن بكار الدمشقي ، أخبرنا سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لكل نبي حوضا انهم يتباهون أيهم أكثر واردة واني أرجو أن أكون أكثرهم واردة ) .
هذا حديث حسن غريب. وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ولم يذكر فيه عن سمرة وهو أصح. [ صحيح البخاري ] .
قال تعالى :-
{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ }الكوثر1
بهذه الآية الكريمة إفتتح الله تعالى سورة الكوثر , مذكراً نبييه صلى الله عليه وسلم بنعمة عظيمة ومِنَّة كريمة .
فالكوثر هو النهر الذي وعده الله تعالى نبييه صلى الله عليه وسلم في الجنة وأصل كلمة الكوثر يدل على الكثرة والزيادة ففيه إشارة الى كمال الخيرات التي ينعم الله تعالى بها على نبييه صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة .
والعرب تسمي كل شئ كثير في العدد والقدر والخطر كوثراً.
ولنهر الكوثر الذي في الجنة ميزابان كما أخبر صلى الله عليه وسلم (يصبان من الجنة أحدهما ورق والآخر ذهب ) يصبان في حوض
وهو الحوض الذي نريد والذي نحن بصدد الحديث عنه . الذي خص الله سبحانه وتعالى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم به في أرض المحشر يوم القيامة .
فنهر الكوثر في الجنة والحوض في أرض المحشر وماء نهر الكوثر يصب في ذلك الحوض ولهذا يطلق على كل من النهر والحوض ، كوثر ، بإعتبار أن ماءهما واحد .
وقد ورد في الأحاديث جملة من صفات نهر الكوثر تجعل المؤمن في شوق الى ورود ذلك النهر والإرتواء منه .
فمن صفاته :_
- الكوثر يجري من غير شق بقدرة الله تعالى .
- مجراه على الدر والياقوت .
- حافتاه قباب الدر المجوفة .
- ترابه المسك .
- حصباؤه اللؤلؤ .
- ماؤه أحلى من العسل .
- أبيض من الثلج و اللبن .
- آنيته عدد النجوم .
- أطيب ريحاً من المسك .
- من شرب منه لا يظمأ أبداً ولا يسود وجهه أبداً .
فما ظنك بجمال ذلك النهر . . وما ظنك بالنعيم الذي حبى الله به نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنون من أمته .
ومن تلك الأحاديث :-
- 27- (2292) وحدثنا داود بن عمرو الضبي. حدثنا نافع بن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة. قال: قال عبدالله بن عمرو بن العاص:
قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم "حوضي مسيرة شهر. وزواياه سواء. وماؤه أبيض من الورق. وريحه أطيب من المسك.. وكيزانه كنجوم السماء. فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدا". [ صحيح البخاري ]
- عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أعطيت الكوثر فضربت بيدي فإذا هي مسكة ذفرة ( طيبة الريح ) واذا حصباؤها ( صغار الحصى مثل الجواهر المتلألئة ) اللؤلؤ واذا حافتاه أظنه قال قباب تجري على الأرض جريان ليس بمشقوق . [ رواه البزار واسناده حسن ]
ما ورد في سعة الحوض :-
- عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء من شرب منه لا يظمأ أبدا .
وفي رواية حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء وماؤه أبيض من الورق . [ رواه البخاري ومسلم ] .
- وفي رواية قال ( فما سعة حوضك يا نبي الله ؟ قال : كما بين عدن الى عمان وأوسع وأوسع يشير بيده ) . [ رواه احمد ورواته محتج بهم في الصحيح وابن حبان في صحيحه ] .
- وفي رواية عن ثوبان ( فسئل عن عرضه فقال من مقامي الى عمان ) [ رواه مسلم ] .
- وفي رواية عن انس : ( ما بين جنبتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة ) . [ رواه البخاري ومسلم وغيرهما ] .
- وفي رواية ( إن لي حوضاً مابين الكعبة وبيت المقدس ) .
[ رواه ابن ماجه ] .
- وفي رواية عن ابن عمر ، قدرت ( مابين ناحيتيه كما بين جرباء وأذرح ) . [ رواه البخاري ] .
وهنا كما نلاحظ تعدد الروايات التي جاءت في سعة الحوض وللجمع بينهما يقول الإمام القرطبي :-
(( ظن بعض الناس أن هذه التحديدات في أحاديث الحوض اضطراب واختلاف، وليس كذلك، وإنما تحدث النبي - صلى الله عليه و سلم - بحديث الحوض مرات عديدة، وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة، مخاطبا كل طائفة بما كانت تعرف من مسافات مواضعها، فيقول لأهل الشام: ما بين أذرح و جربا، و لأهل اليمن: من صنعاء إلى عدن، وهكذا، وتارة أخرى يقدر بالزمان، فيقول: مسيرة شهر، والمعنى المقصود: أنه حوض كبير متسع الجوانب والزوايا، فكان ذلك بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات، فخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها، والله أعلم )) .
الفرق بين حوض النبي صلى الله عليه وسلم وباقي الأحواض :-
يمتاز حوض النبي صلى الله عليه وسلم عن غيره من أحواض الأنبياء بثلاثة .
1- أن ماءه مستمد من نهر الكوثر
2- أن حوضه صلى الله عليه وسلم أكبر الأحواض .
3- أن حوضه صلى الله عليه وسلم أكثر الأحواض وارده .
من أول الواردين على حوض النبي صلى الله عليه وسلم ؟!
الصنف الأول :- ( فقراء المهاجرين ) .
- حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا أبو المغيرة حدثنا عمرو بن عمرو أبو عثمان الاحموسي حدثني المخارق بن أبي المخارق عن عبد الله بن عمر أنه سمعه يقول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
- حوضي كما بين عدن وعمان أبرد من الثلج وأحلى من العسل وأطيب ريحا من المسك أكوابه مثل نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها ابدا أول الناس عليه ورودا صعاليك المهاجرين قال قائل ومن هم يا رسول الله قال : الشعثة رؤوسهم الشحبة وجوههم الدنسة ثيابهم لا يفتح لهم السدد ولا ينكحون المتنعمات الذين يعطون كل الذي عليهم ولا يأخذون الذي لهم. [ رواه أحمد بإسناد حسن ] .
[قوله : الشحبة وجوههم ] هو من الشحوب وهو تغير الوجه من جوع او هزال او تعب .
[وقوله : لا تفتح لهم السدد ] أي لا تفتح لهم الأبواب .
قال الإمام النووي في شرحه: ( معناه: أطرد الناس عنه غير أهل اليمن، .. وهذه كرامة لأهل اليمن في تقديمهم في الشرب منه، مجازاة لهم بحسن صنيعهم وتقدمهم في الإسلام، .. فيدفع غيرهم حتى يشربوا، كما دفعوا في الدنيا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعداءه والمكروهات ) .
هناك صنف مبعدين عن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم ترى منهم ؟!
_ 28- (2294) وحدثنا ابن أبي عمر، حدثنا يحيى بن سليم عن ابن خثيم، عن عبدالله بن عبيدالله بن أبي مليكة ، أنه سمع عائشة تقول:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وهو بين ظهراني أصحابه (( إني على الحوض ، أنتظر من يرد علي منكم ، والله ليقتطعن دوني رجال ، فلأقولن: أي رب! مني ومن أمتي ، فيقول: إنك لا تدري ما عملوا بعدك ، ما زالوا يرجعون على أعقابهم )) . [ رواه مسلم والاحاديث في هذا المعنى كثيرة ] .
قال الإمام القرطبي في "التذكرة" : " قال علماؤنا - رحمة الله عليهم أجمعين -: فكل من ارتد عن دين الله، أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه، وأشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، .. والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم مبدلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق، وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستحفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع، ثم البعد قد يكون في حال، ويقربون بعد المغفرة، إن كان التبديل في الأعمال، ولم يكن في العقائد " .
هذا هو حوض النبي صلى الله عليه وسلم ، اللـهم اسقنا منه شربة هنيئةً مريئةً لا نظمأ بعدها أبدا ، ياأرحم الراحمين....... اللهم آمين .
هذا والله أعلم
أقول قولى هذا وأستغفر اللـه لى ولكم
وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه الى يوم الدين
** الى اللقاء في الدرس القادم بحوله تعالى **
أسال الله عز وجل ، أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم
إقبال الجبار...
وكيف يبدأ العرض والحساب وكيف نُسأل ؟
ما زالت الخلائق على اختلاف أصنافهم من أقطار الأرض في أرض المحشر ينتظرون فصل القضاء وما زالت الشمس فوق الرؤوس متعامدة وما زال الناس يلجمهم العرق وحقيق لتلك القلوب أن تكون يومئذ واجفة ولتلك الأبصار أن تكون خاشعة .
فانظر يامسكين في هول ذلك اليوم وشدته فانه اذا اجتمعت الخلائق في أرض المحشر تناثرت من فوقهم نجوم السماء وطمست الشمس والقمر وأظلمت الأرض لخمود سراجها فبينما هم كذلك ، تتنزل ملائكة من أرجاء السماء بأجسام عظام وأشخاص ضخام غلاظ شداد أُمروا أن يأخذوا بنواصي المجرمين الى موقف العرض على الجبار .
- (يوم يرون الملائكة) في جملة الخلائق هو يوم القيامة ونصبه باذكر مقدرا (لا بشرى يومئذ للمجرمين) الكافرين بخلاف المؤمنين فلهم البشرى بالجنة (ويقولون حجرا محجورا) على عادتهم في الدنيا إذا نزلت بهم شدة أي عوذا معاذا يستعيذون من الملائكة .
وعند نزولهم لا يبقى نبي ولا صديق ولا صالح إلا ويخرون لأذقانهم خوفاَ من أن يكونوا هم المأخوذين ، فهذا حال المقربين فما ظنك بالعصاة المجرمين ؟
وعند ذلك يبادر أقوام من شدة الفزع فيقولون للملائكة : أفيكم ربنا ؟ وذلك لعظم موكبهم وشدة هيبتهم ، فتفزع الملائكة من سؤالهم إجلالاً لخالقهم عن أن يكون فيهم فنادوا بأصواتهم منزهين لمليكهم عما توهمه أهل الأرض وقالوا : سبحان ربنا ما هو فينا ولكنه آت من بعد .
وعند ذلك تقوم الملائكة صفاً محدقين بالخلائق من الجوانب وعلى جميعهم شعار الذل والخضوع .
(وأشرقت الأرض) أضاءت (بنور ربها) حين يتجلى الله لفصل القضاء (ووضع الكتاب) كتاب الأعمال للحساب (وجيء بالنبيين والشهداء) أي بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته يشهدون للرسل بالبلاغ (وقضي بينهم بالحق) أي العدل (وهم لا يظلمون) شيئا .
- وقبل الإبتداء بالسؤال يظهر نور العرش ((وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا )) وأيقن كل عبد بإقبال الجبار لمساءلة العباد وظن كل واحد انه ما يراه أحد سواه وأنه المأخوذ بالأخذ والسؤال دون من عداه فيقول الجبار سبحانه وتعالى عند ذلك يا جبريل ائتى بالنار فيجىء لها جبريل ويقول يا جهنم أجيبي خالقك ومليكك فيصادفها جبريل على غيظها وغضبها فلم يلبث بعد ندائها أن ثارت وفارت وزفرت إلى الخلائق وشهقت وسمع الخلائق تغيظها وزفيرها وانتهضت خزنتها متوثبة إلى الخلائق غضبا على من عصى الله تعالى وخالف أمره فأخطر ببالك وأحضر فى قلبك حالة قلوب العباد وقد امتلأت فزعاً ورعباً فتساقطوا جثيا على الركب وولوا مدبرين يوم ( ترى كل أمة جاثية ) وسقط بعضهم على الوجوه منكبين وينادى العصاة والظالمون بالويل والثبور وينادى الصديقون نفسى نفسى ، فبينما هم كذلك إذ زفرت الناس .
زفرتها الثانية فتضاعف خوفهم وتخاذلت قواهم وظنوا أنهم مأخوذون ثم زفرت الثالثة فتساقط الخلائق على وجوههم وشخصوا بأبصارهم ينظرون من طرف خفى خاشع وانهضمت عند ذلك قلوب الظالمين فبلغت الحناجر كاظمين وذهلت العقول من السعداء والأشقياء أجمعين .[ إحياء علوم الدين ] .. وبعد ذلك أقبل الله تعالى على الرسل .
حســـاب الأنبيــــاء
يبدا الله سبحانه وتعالى حسابه بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
- (فلنسألن الذين أرسل إليهم) أي الأمم عن إجابتهم الرسل وعملهم فيما بلغهم (ولنسألن المرسلين) عن الإبلاغ .
- (فلنقصن عليهم بعلم) لنخبرنهم عن علم بما فعلوه (وما كنا غائبين) عن إبلاغ الرسل والأمم الخالية فيما عملوا .
- اذكر (يوم يجمع الله الرسل) هو يوم القيامة (فيقول) لهم توبيخا لقومهم (ماذا) أي الذي (أُجبتم) به حين دعوتم إلى التوحيد (قالوا لا علم لنا) بذلك (إنك أنت علام الغيوب) ما غاب عن العباد وذهب عنهم علمه لشدة هول يوم القيامة وفزعهم ثم يشهدون على أممهم لما يسكنون .
فيدعى نوح عليه السلام :-
6917 - عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجاء بنوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم يا ربِّ، فتُسأل أمته: هل بلَّغكم، فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول: من شهودك، فيقول: محمد وأمته، فيجاء بكم فتشهدون، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً - قال: عدلاً - لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}.
116- (و) اذكر (إذ قال) أي يقول (الله) لعيسى في القيامة توبيخاً لقومه (يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال) عيسى وقد أرعد (سبحانك) تنزيها لك عما لا يليق بك من شريك وغيره (ما يكون) ما ينبغي (لي أن أقول ما ليس لي بحق) خبر ليس ، ولي للتبيين (إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما) أخفيه (في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) أي ما تخفيه من معلوماتك (إنك أنت علام الغيوب) .
117- (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به) وهو (أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا) رقيبا أمنعهم مما يقولون (ما دمت فيهم فلما توفيتني) قبضتني بالرفع إلى السماء (كنت أنت الرقيب عليهم) الحفيظ لأعمالهم (وأنت على كل شيء) من قولي لهم وقولهم بعدي وغير ذلك (شهيد) مطلع عالم به .
118 - (إن تعذبهم) أي من أقام على الكفر منهم (فإنهم عبادك) وأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك (وإن تغفر لهم) أي لمن آمن منهم (فإنك أنت العزيز) على أمره (الحكيم) في صنعه .
وهكذا تنكر جميع الامم ان الرسل ارسلت اليهم والله عليم بكذبهم ولكنه سبحانه يريد التقرير ليعلموا انه لم يظلمهم { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }الإسراء15.- وقوم يحلفون لله سبحانه وتعالى في هذا الموقف انه ما اتانا من نذير ولا بشير
اذكر (يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له) أنهم مؤمنون (كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء) من نفع حلفهم في الآخرة كالدنيا (ألا إنهم هم الكاذبون) .
العرض على الله عز وجل
بعد ذلك يبدأ الحساب ، فالحساب يبدأ بالعرض على اللـه سبحانه وتعالى والعباد وقوف في أرض المحشر فتسمع الملائكة تنادي : أين فلان إبن فلان ؟ ليقف بين يدى الله الملك العدل سبحانه وتعالى ، ليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان كما جاء في الحديث :
1347 - حدثنا عبد الله بن محمد: حدثنا أبو عاصم النبيل: أخبرنا سعدان بن بشر: حدثنا أبو مجاهد: حدثنا محل بن خليفة الطائي قال: سمعت عدي بن حاتم رضي الله عنه يقول:
كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجلان، أحدهما يشكو العيلة، والآخر يشكو قطع السبيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما قطع السبيل: فإنه لا يأتي عليك إلا قليل، حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير، وأما العيلة: فإن الساعة لا تقوم، حتى يطوف أحدكم بصدقته، لا يجد من يقبلها منه، ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله، ليس بينه وبينه حجاب، ولا ترجمان يترجم له، ثم ليقولن له: ألم أوتك مالا؟ فليقولن: بلى. ثم ليقولن: ألم أرسل إليك رسولا؟ فليقولن: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار، فليتقين أحدكم النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة). [صحيح البخاري ] .
ثم يؤخذ واحد واحد فيسأله الله تعالى شفاهاً عن قليل عمله وكثيره وعن سره وعلانيته وعن جميع جوارحه وأعضائه ، فسأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل نرى ربنا ؟ فيجيب الحبيب في الحديث الشريف الذي رواه أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه :
فنعوذ بالله من الإفتضاح علىرؤوس الخلائق بشهادة أعضاء أجسادنا علينا .
حســــاب المؤمنين
إلا أن الله تبارك وتعالى وعد المؤمنين بأن يستر عليهم ولا يطلع عليهم غيره وهذا جاء على لسان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديث النجوى ....
7076 - حدثنا مسدد: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن صفوان بن مُحْرِز: أن رجلاً سأل ابن عمر:
كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ قال: (يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم، ويقول: أعملت كذا وكذا؟ فيقول نعم، فيقرره ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم). [ صحيح مسلم ]
نسأل الله عز وجل أن يسترنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليه ...... اللهم آمين .
هذا والله أعلم
أقول قولى هذا وأستغفر اللـه لى ولكم
وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه الى يوم الدين
** الى اللقاء في الدرس القادم بحوله تعالى **
أسال الله عز وجل ، أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم
الحساب من الأشياء السمعية كما قال علماء التوحيد ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين وإنكاره كفر .
تعريف الحساب في اللغة:-
الحساب لغة مأخوذ من مادة حسب؛ فالحاء والسين والباء أصل صحيح يدل على عدة معان، منها العد، والإحصاء .
الحساب في الشرع:-
هو إطلاعُ الله عِبادَه على أعمالهم يوم القيامة، وإنباؤهم بما قدموه من خير وشر .
الآيات القرآنية الدالة على إثبات الحساب :-
الأدلة على إثبات الحساب في السنة وإجماع المسلمين :-
- 3592 - (حسن صحيح) عن أبي بردة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن علمه ما عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه . [ رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ] .
-3594 (صحيح ) وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من نوقش الحساب عذب فقلت : أليس يقول الله {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ، وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً }الإنشقاق فقال : إنما ذلك العرض وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك )) .
[ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ]
أما الإجماع فقد أجمع المسلمون على ثبوت الحساب يوم القيامة. الحكمة من الحساب :-
لقد أنزل الله تعالى الكتب وأرسل الرسل وأمر الله تعالى بالقيام بالفرائض التي أمرنا الله بها في القرآن الكريم و بقبول ما جاء به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، والعمل بما يجب العمل به ، وأوجب علينا جهاد وقتال المعارضين له ، وأحل دماءهم وذرياتهم ونساءهم وأموالهم .
فلو لم يكن الحساب ولا الجزآء لكان ذلك من العبث الذي يتنزه الله عز وجل عنه
المرسلون: ماذا أجبتم رسلنا إليكم؟ ولنسْألَنَّ المرسلين عن تبليغهم لرسالات ربهم، وعمَّا أجابتهم به أممهم.
فلَنقُصَّنَّ على الخلق كلهم ما عملوا بعلم منا لأعمالهم في الدنيا فيما أمرناهم به، وما نهيناهم عنه، وما كنا غائبين عنهم في حال من الأحوال. كيفية الحساب وصفته:-
دلت نصوص الشرع على كيفية الحساب، وصفته.
ويمكن إجمال ذلك أن يقال: إن الله - عزوجل - يوقف عباده بين يديه، فيقررهم بذنوبهم التي ارتكبوها، وبأعمالهم التي عملوها، وبأقوالهم التي قالوها، ويعرفهم بما كانوا عليه في الدنيا من كفر وإيمان، وطاعة وعصيان، واستقامة وانحراف، وما يستحقونه على ما قدموه من مثوبة أو عقوبة.
والحساب شامل لما يقوله الرب لهم، وما يقولون له، وما يعتذرون به من معاذير، وما يقيمه عليهم من حجج وبراهين، وما يكون هناك من شهادة الشهود، ووزن الأعمال، وما جرى مجرى ذلك(القيامة الكبرى).
أنواع الحساب:-
يتفاوت حساب العباد ، فبعض العباد يكون حسابهم عسيراً وهؤلاء هم الكفرة المجرمون الذين أشركوا بالله ما لمن ينزل به سلطاناً ، وتمردوا على شرع الله ، وكذبوا بالرسل .
وبعض عصاة الموحدين قد يطول حسابهم ويعسر بسبب كثرة الذنوب وعظمـها .
وبعض العباد يدخلون الجنة بغير حساب ، وهم فئة قليلة لا يجاوزون السبعين ألفاً ، وهم الصفوة من هذه الأمة ، والقمم الشامخة في الإيمان والتقى والصلاح والجهاد ، وسيأتي ذكرهم وصفتهم عند الحديث عن أهل الجنة.
وبعض العباد يحاسبون حساباً يسيراً ، وهؤلاء لا يناقشون الحساب ، أي لا يدقق ، ولا يحقق معهم ، وإنما تعرض عليهم ذنوبهم ثم يتجاوز لهم عنها . وهذا معنى قوله تبارك وتعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 7-8] .
- ففي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك ، فقلت: يا رسول الله ، أليس قد قال الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 7-8] ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك العرض ، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب)) .
قال النووي في شرحه للحديث:
معنى نوقش الحساب: استقصي عليه . قال القاضي: وقوله: (عذب) له معنيان:
أحدهما: أن نفس المناقشة وعرض الذنوب والتوقيف عليها هو التعذيب لما فيه من التوبيخ .
والثاني: أنه مفض إلى العذاب بالنار ويؤيده قوله في الرواية الأخرى:(هلك) مكان (عذب) هذا كلام القاضي .
قال النووي: وهذا الثاني هو (الصحيح)، ومعناه أن التقصير غالب في العباد فمن استقصي عليه، ولم يسامح هلك، ودخل النار، ولكن الله تعالى: يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء.
ونقل ابن حجر عن القرطبي في معنى قوله: إنما ذلك العرض، قال: إن الحساب المذكور في الآية إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه حتى يعرف منَّة الله عليه في سترها عليه في الدنيا ، وفي عفوه عنها في الآخرة. والمراد بالعرض - كما هو ظاهر من هذه الأحاديث - عرض ذنوب المؤمنين عليهم، كي يدركوا مدى نعمة الله عليهم في غفرانها لهم.
ومن أمثلة هذه الأنواع التي أخبرنا عنها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم :-
مناقشة المرآئين :-
أول الناس يقضى يوم القيامة عليه :-
- [ 309 ] أخبرنا النضر بن شميل نا بن جريج عن يونس بن يوسف نا سليمان بن يسار قال تفرق الناس عن أبي هريرة فقال له نأتل أخو أهل الشام حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أول الناس يقضي فيه يوم القيامة ثلاثة ، رجل استشهد فأتى الله به فعرفه نعمه فعرفها فقال له : فما عملت فيها ؟ قال : قاتلت في سبيلك حتى استشهدت فقال : كذبت ولكن قاتلت ليقال هو جرىء فقد قيل ذاك ثم أمر فيسحب على وجهه إلى النار ، وأتى الله برجل قد تعلم العلم وعلمه وقد قرأ القرآن فعرفه نعمه فعرفها فقال له : ما عملت فيها ؟ فقال : تعلمت القرآن وعلمته فيك وقرأت القرآن ، فقال :كذبت ولكنك تعلمت ليقال فلان عالم وفلان قارىء فقد قيل ذاك ثم أمر فيسحب به على وجهه إلى النار ، وأتى برجل قد أعطاه الله من أنواع المال كله فعرفه نعمه فيها فعرفها قال فما عملت فيها فقال ما تركت شيئا من سبيل تحب أن ينفق فيها فقال كذبت ولكنك أردت أن يقال هو جواد فقد قيل ذاك ثم أمر به فيسحب به على وجهه إلى النار.[ صحيح مسلم ]
عرض الرب ذنوب عبده عليه :-
عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الله يدني المؤمن ، فيضع عليه كنفه ، ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب. حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكافر والمنافقون فيقول الأشهاد: {هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18 ] )) .
قال القرطبي في قوله: فيضع عليه كنفه أي: ستره ولطفه وإكرامه ، فيخاطب خطاب ملاطفة ، ويناجيه مناجاة المصافاة والمحادثة ، فيقول له: هل تعرف ؟ فيقول: رب أعرف ، فيقول الله ممتناً عليه ، ومظهراً فضله لديه: فإني قد سترتها عليك في الدنيا ، أي لم أفضحك بها فيها ، وأنا أغفرها لك اليوم. معاتبة الرب عبده فيما وقع منه من تقصير :-
وقد حدثنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن معاتبة الرب لعبده يوم القيامة ، ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله تعالى: يقول يوم القيامة: يا ابن آدم ، مرضت فلم تعدني . قال: يا رب كيف أعودك وأنت ربُّ العالمين ؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده ، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟ يا ابن آدم ، استطعمتك فلم تطعمني ؟ قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟ يا ابن آدم، استسقتيك فلم تسقني؟ قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه؟ أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي؟)) . ( القيامة الكبرى )
إنما الأشياء برحمة الله ( لن يدخل الجنة أحد إلابرحمة الله )
-عن جابر رضي الله عنه ، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خرج من عندي خليلي جبريل آنفاً ( أي الآن ) فقال : يامحمد والذي بعثك (أي أرسلك ) بالحق ، إن لله عبداً من عباده عبد الله خمسمائة سنة على رأس جبل في البحر عرضه وطوله ثلاثون ذراعاً في ثلاثين ذراعاً ، والبحر محيط به أربعة آلآف فرسخ من كل ناحية ، وأخرج له عيناً عذبة بعرض الأصبع تفيض بماء عذب فيستنقع ( أي فيجتمع ) في أسفل الجبل ، وشجرة رمان تخرج له في كل ليلة رمانة يتعبد يومه . فاذا أمسى نزل فأصاب من الوضوء ، وأخذ تلك الرمانة فأكلها ، ثم قام لصلاته فسأل ربه عند وقت الأجل أن يقبضه ساجداً ، وأن لا يجعل للأرض ولا لشئ يفسده عليه سبيلاً حتى يبعثه الله وهو ساجد قال : ففعل فنحن نمر عليه اذا هبطنا واذا عرجنا ( أي صعدنا ) فنجد له في العلم أنه يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي الله فيقول له الرب : أدخلوا عبدي الجنة برحمتي فيقول : رب بل بعملي ، فيقول : أدخلوا عبدي الجنة برحمتي فيقول : رب بل بعملي فيقول الله : قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله ، فتوجد نعمة البصر قد أحاطت بعباده خمسمائة سنة ، وبقيت نعمة الجسد فضلاً عليه فيقول : أدخلوا عبدي النار فيجر الى النار فينادي : رب برحمتك أدخلني الجنة فيقول : رُدُّوهُ ( أي الى الجنة ) فيوقف بين يديه فيقول : يا عبدي من خلقك ولم تك شيئا ؟ فيقول أنت يارب ، فيقول : من قواك لعبادتة خمسمائة سنة ؟ فيقول : أنت يارب ، فيقول : من أنزلك في جبل وسط اللُّجَّةِ ، وأخرج لك الماء العذب من الماء المالح ، وأخرج لك كل ليلة رمانة وإنما تخرج مرة في السنة وسألته أن يقبضك ساجداً ففعل ؟ فيقول : أنت يارب ، قال : فذلك برحمتي وبرحمتي أدخلك الجنة ، أدخلوا عبدي الجنة فنعم العبد كنت ياعبدي فأدخله الله الجنة .... قال جبريل : إنما الأشياء برحمة الله يامحمد . [ رواه الحاكم عن سليمان بن هرم عن محمد بن المنكدر عن جابر وقال صحيح الاسناد ]
الترغيب والترهيب ( ج 4 ) للإمام الحافظ زكي الدين عبد المنعم بن عبد القوي المنذري ( ص 399 _ 401 ) .
فهم هذا العبد أنه أفنى حياته كلها في طاعته سبحانه وتعالى وقد حشره الله ساجداً خاضعاً متضرعاً ذليلاً ولكن عند حساب ربه على أقل نعمة من نعمة طاش ثواب ماعمل أمام هذه النعمة نعمة الإبصار وأين نعمة جميع أجزاء الجسم ؟
اللهم أدخلنا الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين يارب العالمين .
إيتاء العباد كتبهم
في ختام مشهد الحساب يعطى كل عبد كتابه المشتمل على سجل كامل لأعماله التي عملها في الحياة الدنيا وتختلف الطريقة التي يؤتى بها العباد كتبهم .
- فأما المؤمن فإنه يؤتى كتابه بيمينه من أمامه ، فيحاسب حساباً يسيراً ، وينقلب إلى أهله في الجنة مسروراً {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} [الانشقاق: 7-9] ، وإذا اطلع المؤمن على ما تحويه صحيفته من التوحيد وصالح الأعمال سر واستبشر ، وأعلن هذا السرور ، ورفع به صوته ، {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا ---- بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 19-24] .
مثل و قوفك يوم العرض عريانا مستوحشـــــاً قلق الأحشاء حيرانا
و النار تلهب من غيظ و من حنق على العصاة و رب العرش غضبــانا
اقرأ كتابك ياعبدي على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا
لما قرات و لم تنكر قراءته إقرار من عرف الأشياء عرفاناً
نادى الجليل : خذوه يا ملائكتي و امضوا بعبد عصى للنار عطشانا
المشركون غداً في النار يلتهبوا و المؤمنون بدار الخلد سكانا
- و عن عائشة رضي الله عنها قالت : ذكرت النار فبكيت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يبكيك ؟ قلت : ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة ؟ فقال : أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً . عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل ، و عند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم في شماله من وراء ظهره ، و عند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حتى يجوز ". أبو داود
و ذكر أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيب ، " عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه و له شعاع كشعاع الشمس فقيل له : أين يكون أبو بكر يا رسول الله ؟ قال : هيهات زفته الملائكة إلى الجنان " . (التذكره )
هذا والله أعلم
أقول قولى هذا وأستغفر اللـه لى ولكم
ما كان من خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه برآء ، وما كان من توفيق فمن الله وحده لا شريك له
وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه الى يوم الدين
** الى اللقاء في الدرس القادم بحوله تعالى **
أسال الله عز وجل ، أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم