الحج هو أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام .
قال الله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ؛ أي : لله على الناس فرض واجب هو حج البيت ؛ لأن كلمة " على " للإيجاب ، وقد أتبعه بقوله جل وعلا : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ فسمى تعالى تاركه كافرا ، وهذا مما يدل على وجوبه وآكديته ، فمن لم يعتقد وجوبه ، فهو كافر بالإجماع .
وقال تعالى لخليله . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ .
وللترمذي وغيره وصححه عن علي رضي الله عنه مرفوعا : من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ، ولم يحج ، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا . وقال صلى الله عليه وسلم : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا ، والمراد بـ (السبيل) توفر الزاد ووسيلة النقل التي توصله إلى البيت ويرجع بها إلى أهله .
والحكمة في مشروعية الحج هي كما بينها الله تعالى بقوله : لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ إلى قوله : ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ فالمنفعة من الحج ترجع للعباد ولا ترجع إلى الله تعالى ؛ لأنه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ؛ فليس به حاجة إلى الحجاج كما يحتاج المخلوق إلى من يقصده ويعظمه ، بل العباد بحاجة إليه ، فهم يفدون إليه لحاجتهم إليه .
والحكمة في تأخير فرضية الحج عن الصلاة والزكاة والصوم ؛ لأن الصلاة عماد الدين ، ولتكررها في اليوم والليلة خمس مرات ، ثم الزكاة لكونها قرينة لها في كثير من المواضع ، ثم الصوم لتكرره كل سنة .
وقد فرض الحج في الإسلام سنة تسع من الهجرة كما هو قول الجمهور ، ولم يحج النبي صلى الله عليه وسلم إلا حجة واحدة هي حجة الوداع ، وكانت سنة عشر من الهجرة ، واعتمر صلى الله عليه وسلم أربع عمر .
والمقصود من الحج والعمرة عبادة الله في البقاع التي أمر الله بعبادته فيها ، قال صلى الله عليه وسلم : " إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله " .
والحج فرض بإجماع المسلمين ، وركن من أركان الإسلام ، وهو فرض في العمر مرة على المستطيع ، وفرض كفاية على المسلمين كل عام ، وما زاد على حج الفريضة في حق أفراد المسلمين ، فهو تطوع .
وأما العمرة ، فواجبة على قول كثير من العلماء ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل : هل على النساء من جهاد ، قال : نعم ، عليهن جهاد لا قتال فيه : الحج والعمرة ، رواه أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح ، وإذا ثبت وجوب العمرة على النساء ، فالرجال أولى ، وقال صلى الله عليه وسلم للذي سأله ، فقال : إن أبي شيخ كبير ، لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن ؟ فقال : حج عن أبيك واعتمر ، رواه الخمسة وصححه الترمذي .
فيجب الحج والعمرة على المسلم مرة واحدة في العمر ، لقوله صلى الله عليه وسلم : الحج مرة ، فمن زاد فهو تطوع رواه أحمد وغيره ، وفي "صحيح مسلم" وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : أيها الناس! قد فرض عليكم الحج فحجوا ، فقال رجل : أكل عام ؟ فقال : " لو قلت : نعم ، لوجبت ولما استطعتم .
ويجب على المسلم أن يبادر بأداء الحج الواجب مع الإمكان ، ويأثم إن أخره بلا عذر ، لقوله صلى الله عليه وسلم : تعجلوا إلى الحج ( يعني : الفريضة ) فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له رواه أحمد .
وإنما يجب الحج بشروط خمسة : الإسلام ، والعقل ، والبلوغ ، والحرية ، والاستطاعة ، فمن توفرت فيه هذه الشروط ، وجب عليه المبادرة بأداء الحج .
ويصح فعل الحج والعمرة من الصبي نفلا لحديث ابن عباس : أن امرأة رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم صبيا ، فقالت : ألهذا حج ، قال : نعم ، ولك أجر ، رواه مسلم .
وقد أجمع أهل العلم على أن الصبي إذا حج قبل أن يبلغ ، فعليه الحج إذا بلغ واستطاع ، ولا تجزئه تلك الحجة عن حجة الإسلام ، وكذا عمرته .
وإن كان الصبي دون التمييز ، عقد عنه الإحرام وليه ، بأن ينويه عنه ، ويجنبه المحذورات ، ويطوف ويسعى به محمولا ، ويستصحبه في عرفة ومزدلفة ومنى ، ويرمي عنه الجمرات .
وإن كان الصبي مميزا ، نوى الإحرام بنفسه بإذن وليه ، ويؤدي ما قدر عليه من مناسك الحج ، وما عجز عنه يفعله عنه وليه ، كرمي الجمرات ، ويطاف ويسعى به راكبا أو محمولا إن عجز عن المشي .
وكل ما أمكن الصغير - مميزا كان أو دونه - فعله بنفسه كالوقوف والمبيت ، لزمه فعله ، بمعنى أنه لا يصح أن يفعل عنه ، لعدم الحاجة لذلك ، ويجتنب في حجه ما يجتنب الكبير من المحذورات .
والقادر على الحج هو الذي يتمكن من أدائه جسميا وماديا ، بأن يمكنه الركوب ، ويتحمل السفر ، ويجد من المال بلغته التي تكفيه ذهابا وإيابا ، ويجد أيضا ما يكفي أولاده ومن تلزمه نفقتهم إلى أن يعود إليهم ، ولا بد أن يكون ذلك بعد قضاء الديون والحقوق التي عليه ، وبشرط أن يكون طريقه إلى الحج آمنا على نفسه وماله .
فإن قدر بماله دون جسمه ، بأن كان كبيرا هرما أو مريضا مرضا مزمنا لا يرجى برؤه ، لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر حجة وعمرة الإسلام من بلده أو من البلد الذي أيسر فيه ، لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما ، أن امرأة من خثعم قالت : يا رسول الله ! إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة ، أفأحج عنه ، قال : حجي عنه متفق عليه .
ويشترط في النائب عن غيره في الحج أن يكون قد حج عن نفسه حجة الإسلام ، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما ، أنه صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول : لبيك عن شبرمة ، قال : حججت عن نفسك؟ ، قال : لا ، قال : حج عن نفسك إسناده جيد ، وصححه البيهقي .
ويعطى النائب من المال ما يكفيه تكاليف السفر ذهابا وإيابا ، ولا تجوز الإجارة على الحج ، ولا أن يتخذ ذريعة لكسب المال ، وينبغي أن يكون مقصود النائب نفع أخيه المسلم ، وأن يحج بيت الله الحرام ويزور تلك المشاعر العظام ، فيكون حجه لله لا لأجل الدنيا ، فإن حج لقصد المال فحجه غير صحيح .