لم تبقَ أنفاس يجود بها أولئك الذين قضوا نحبهم تحت عجلات قطار الموت المصري، يلبون بها نداء وزارة المواصلات، وهيئة السكة الحديدية بمصر في دعايتها المقرفه والمستفزه والمثيرة "المصري اللي على حق يقول للغلط لأ"، والتي تطلب من ركاب القطارات ان يكفوا على الاعتداءات التي تحصل في القطارات على المقاعد والكتل الحديدية، ويهربون أحياناً من محصل التذاكر، من دون أن يتذكر مطلقو حملتها ذلك الكائن الرخيص ـ بنظرهم ـ الذي يستقلها بلا أدنى حقوق يمكن أن ينالها إن قصر الطرف الآخر بحقه، سواء بتأخير القطارات أو إيقاف مكيفاتها صيفاً ـ أو شتاءً ـ في صناديقها المغلقة، أو حتى ارتكب جريمة كتلك التي وقعت أمس، وحصدت عشرات الأرواح، وخلفت أضعافهم من المعوقين والجرحى.
لا جدوى من الإصلاح إن كان يستند إلى لون من "الفهلوة" و"خفة اليد" والاستخفاف بالأرواح والعقول والمصائر، ولا فائدة من أن نقول "لأ"، ما دام البعض لا يسمعها إلا إذا صادفت هوى، أو حقاً أعرج يناله طرف دون آخر في منظومة مختلة من الشراكة الوهمية بين المواطن ودواليب البيروقراطية العتيدة.
والذين يسقطون بشكل دوري تحت عجلات القطار، أو في المزلقانات المكشوفة، أو محترقين، أو محشورين في العربات المحطمة، ويكسرون رقماً قياسياً في أعداد ضحايا القطارات في العالم، ماضون في رفع اسم بلادهم إلى صدارة الإحصاءات الخاصة بحوادث القطارات .
لا حديث عما كان ينبغي اتخاذه لتدارك تلك الفاجعة؛ فالأمر لا يعني القوم فيما يبدو استناداً إلى قائمة عريضة من الكوارث المتشابهة، وإلا لكنا وجدنا خلاف ما ألفناه في قطارات مصر، من إهمال كل معايير الأمان، بدءاً من ركوب الركاب بين عربات القطار، والسماح بركوب القطارات وهي تتحرك، والأعطال المتكررة التي تستخف بكل قيمة وقتية لدى مواطني الجموع اللامخملية، وغياب الخدمات، وأجهزة الإنذار ضد الحرائق وغيرها، والخلل البارز في الاتصالات في عصر يعد ارتكاب مثل هذه الأخطاء جريمة غير مبررة ولا مفهومة، وفي ظل ثورة الاتصالات وذيوع معايير الأمان في العالم، واستقرار أنظمة التحكم، وارتفاع معاملات الأمان، وسيادة ثقافة التخطيط المحكم للوصول إلى استحالة حدوث مثل هذه الحوادث البدائية التي يمكن تجنب ما هو أعقد منها بكثير في أي منطقة أخرى في الدنيا، وإنما المسألة تتعلق بالرغبة في منع مثل هذه الكوارث من عدمها؛ فما يبدو لأول وهلة لا يوحي بأن ثمة من فكر في الحؤول دون أن تكون "العياط" محطة الموت في مصر، والموجودة على بعد "رمية حجر" من العاصمة، التي عجزت حتى عن إنقاذ من تبقى من الضحايا!!
ارجو اتخاذ أقصى درجات العقوبة ـ لاسيما في هذا التوقيت بالذات ـ على مسؤولي السكك الحديدية التي لا تمثل إلا ترساً في آلة عملاقة يتسلل إليها كل ألوان التردي والإهمال، والتي تيمم وجهها شطر بورتو مارينا والساحل الشمالى وشرم الشيخ ولا تسمع أذنها الصماء بالعياط وكفر عمار والرقة.
لقد صارت مصر حاضرة بالفعل على أشرطة الأخبار القصيرة أسفل شاشات الفضائيات، لكن للحديث عن كوارثها وضحاياها، ولا بأس أن تزاحم أخبار الكارثة انتصاراتنا المدوية في شهر انتصارات أكتوبر التي بدأناها بحرب التحرير قبل 36 عاماً وأنهيناها بانتصارنا المظفر في معركة النقاب الخالدة!!