إن مشيت على شارعٍ لا يؤدي إلي هاوية قُل لمن يجمعون القمامة : شكراً ! إن رجعتَ إلي البيت ، حيّاً ، كما ترجع القافية بلا خللٍ ، قُلْ لنفسك : شكراً ! إن توقَّعتَ شيئاً وخانك حدسك ، فاذهب غداً إلي حيث كُنتَ ، وقُلْ للفراشة : شكراً ! إن صرخت بكل قواك ، ورد عليك الصدى "مَنْ هناك ؟" فقل للهويّة : شكراً ! إن نظرتَ إلي وردةٍ دون أن توجعكْ وفرحتَ بها ، قل لقلبك : شكراً ! إن نهضت صباحاً ، ولم تجد الآخرين معك يفركون جفونك ، قل للبصيرة : شكراً ! إن تذكرت حرفاً من اسمك واسم بلادك ، كن ولداً طيباً ! ليقول لك الربُّ : شكراً !
22 ـ أنا آت إلي ظل عينيك أنا آت إلي ظل عينيك . . آت من خيام الزمان البعيد ، و من لمعان السلاسل أنت كل النساء اللواتي مات أزواجهن ، و كل الثواكل أنت أنت العيون التي فرّ منها الصباح حين صارت أغاني البلابل ورقا يابسا في مهب الرياح ! أنا آت إلي ظلّ عينيك . . آت من جلود تحاك السجاجيد منها . . و من حدقات علقت فوق جيد الأميرة عقدا . أنت بيتي و منفاي . . أنت أنت أرضي التي دمّرتني أنت أرضي التي حوّلتني سماء . . و أنت كل ما قيل عنك ارتجال و كذب لست سمراء ، لست غزالا ، و لست الندى و النبيذ ، و لست كوكبا طالعا من كتاب الأغاني القديمة عندما ارتجّ صوت المغنين . . كنت لغة الدم حين تصير الشوارع غابه و تصير العيون زجاجا و يصير الحنين جريمة لا تموتي على شرفات الكآبة كلّ لون على شفتيك احتفال بالليالي التي انصرمت . . بالنهار الذي سوف يأتي اجعلي رقبتي عتبات التحول ، أول سطر بسفر الجبال الجبال التي أصبحت سلما نحو موتي ! و السياط التي احترقت فوق ظهري و ظهرك سوف تبقى سؤال أين سمسار كل المنابر ؟ أين الذي كان . . كان يلوك حجارة قبري و قبرك ما الذي يجعل الكلمات عرايا ؟ ما الذي يجعل الريح شوكا ، و فحم الليالي مرايا ؟ ما الذي ينزع الجلد عني ، و يثقب عظمي ؟ ما الذي يجعل القلب مثل القذيفة ؟ وضلوع المغنين سارية للبيارق ؟ ما الذي يفرش النار تحت سرير الخليفة ؟ ما الذي يجعل الشفتين صواعق ؟ غير حزن المصفد حين يرى أخته . . أمه . . حبه لعبة بين أيدي الجنود و بين سماسرة الخطب الحامية فيعض القيود . و يأتي إلي الموت . . يأتي إلي ظل عينيك . . يأتي ! أنا آت إلي ظل عينيك آت من كتاب الكلام المحنط فوق الشفاه المعادة أكلت فرسي ، في الطريق ، جراده مزّقت جبهتي ، في الطريق ، سحابه صلبتني على الطريق ذبابة ! فاغفري لي . . كل هذا الهوان ، اغفري لي انتمائي إلي هامش يحترق ! و اغفري لي قرابة ربطتني بزوبعة في كؤوس الورق و اجعليني شهيد الدفاع عن العشب و الحب و السخرية عن غبار الشوارع أو غبار الشجر عن عيون النساء جميع النساء و عن حركات الحجر . و اجعليني أحب الصليب الذي لا يحب واجعليني بريقا صغيرا بعينيك حين ينام اللهب أنا آت إلي ظل عينيك . . آت مثل نسر يبيعون ريش جناحه و يبيعون نار جراحه بقناع . و باعوا الوطن بعصا يكسرون بها كلمات المغني و قالوا : اذبحوا و اذبحوا . . ثم قالوا هي الحرب كر وفر ثم فروا . . وفروا وفروا . . و تباهوا . . تباهوا . . أوسعوهم هجاء وشتما ، و أودوا بكل الوطن ! حين كانت يداي السياج ، و كنت حديقة لعبوا النرد تحت ظلال النعاس حين كانت سياط جهنم تشرب جلدي شربوا الخمر نخب انتصار الكراسي ! . . حين مرت طوابير فرسانهم في المرايا ساومونا على بيت شعر ، و قالوا : ألهبوا الخيل .كل السبايا أقبلت من خيام المنافي كذبوا لم يكن جرحنا غير منبر للذي باعة . . باع حطين . . باع السيوف ليبني منبر نحو مجد الكراسي ! أنا آت إلي ظل عينيك . . آت من غبار الأكاذيب . . آت من قشور الأساطير آت أنت لي . . أنت حزني و أنت الفرح أنت جرحي و قوس قزح أنت قيدي و حريتي أنت طيني و أسطورتي أنت لي . . أنت لي بجراحك كل جرح حديقة ! أنت لي . . أنت لي . . بنواحك كل صوت حقيقة أنت شمسي التي تنطفئ أنت ليلي الذي يشتعل أنت موتي ، و أنت حياتي و سآتي إلي ظل عينيك . . آت وردة أزهرت في شفاه الصواعق قبلة أينعت في دخان الحرائق فاذكريني . . إذا ما رسمت القمر فوق وجهي ، و فوق جذوع الشجر مثلما تذكرين المطر و كما تذكرين الحصى و الحديقة و اذكريني ، كما تذكرين العناوين في فهرس الشهداء أنا صادقّت أحذية الصبية الضعفاء أنا قاومت كل عروش القياصرة الأقوياء لم أبع مهرتي في مزاد الشعار المساوم لم أذق خبز نائم لم أساوم لم أدق الطبول لعرس الجماجم و أنا ضائع فيك بين المراثي و بين الملاحم بين شمسي و بين الدم المستباح جئت عينيك حين تجمد ظلي و الأغاني اشتهت قائليها
في اليـــوم ، أكبر عاما في هـــــوى وطني فعانقـــــوني عناق الريـــــــح للنـار
24 ـ أهديها غزلانا
وشاح المغرب الوردي فوق ضفائر الحلوة و حبة برتقال كانت الشمس . تحاول كفها البيضاء أن تصطادها عنوة و تصرخ بي ، و كل صراخها همس : أخي !يا سلمي العالي ! أريد الشمس بالقوة ! . . و في الليل رماديّ ، رأينا الكوكب الفضي ينقط ضوءه العسلي فوق نوافذ البيت . وقالت ، و هي حين تقول ، تدفعني إلي الصمت : تعال غدا لنزرعه . . مكان الشوك في الأرض ! أبي من أجلها صلّى و صام . . و جاب أرض الهند و الإغريق إلها راكعا لغبار رجليها وجاع لأجلها في البيد . . أجيالا يشدّ النوق و أقسم تحت عينيها يمين قناعة الخالق بالمخلوق ! تنام ، فتحلم اليقظة في عيني مع السّهر فدائيّ الربيع أنا ، و عبد نعاس عينيها وصوفي الحصى ، و الرمل ، و الحجر سأعبدهم ، لتلعب كالملاك ، و ظل رجليها على الدنيا ، صلاة الأرض للمطر حرير شوك أيّامي ، على دربي إلي غدها حرير شوك أيّامي ! و أشهى من عصير المجد ما ألقى . . لأسعدها و أنسى في طفولتها عذاب طفولتي الدامي و أشرب ، كالعصافير ، الرضا و الحبّ من يدها سأهديها غزالا ناعما كجناح أغنية له أنف ككرملنا . . و أقدام كأنفاس الرياح ، كخطو حريّة و عنق طالع كطلوع سنبلنا من الوادي . . إلي القمم السماويّة ! سلاما يا وشاح الشمس ، يا منديل جنتنا و يا قسم المحبة في أغانينا ! سلاما يا ربيعا راحلا في الجفن ! يا عسلا بغصّتنا و يا سهر التفاؤل في أمانينا لخضرة أعين الأطفال . . ننسج ضوء رايتنا
25 ـ
آه ، عبد الله
قال عبد الله للجّلاد : جسمي كلمات ودويّ ضاع فيه الرعد و البرق على السكّين ، و الوالي قوي هكذا الدنيا . . و أنت الآن يا جلاد أقوى ولد الله . . و كان الشرطيّ ! . . عادة ، لا يخرج الموتى إلي النزهة لكن صديقي كان مفتونا بها . كلّ مساء يتدلّى جسمه ، كالغصن ، من كل الشقوق و أنا أفتح شباكي لكي يدخل عبد الله كي يجمعني بالأنبياء ! . . كان عبد الله حقلا و ظهيرة يحسن العزف على الموّال ، و الموال يمتد إلي بغداد شرقا و إلي الشام شمالا و ينادي في الجزيرة . فاجئوه مرة يلثم في الموال سيفا خشبيا . . و ضفيرة . . حين قالوا : إنّ هذا اللحن لغمّ في الأساطير التي نعبدها ـ قال عبد الله : جسمي كلمات . . ودويّ هكذا الدنيا ، و أنت الآن يا جلاد أقوى ولد الله و كان شرطي عادة ، لا يعمل الموتى ، و لكن صديقي كان من عادته أن يضع الأقمار في الطين ، و أن يبذر في الأرض سماء . و أنا أفتح شباكي لكي يدخل عبد الله حرّا و طليقا كالردى و الكبرياء . . كان عبد الله حقلا لم يرث عن جدّه إلاّ الظهيرة و انكماش الظّل و السمرة عبد الله لا يعرف إلاّ لغة الموّال ، و الموّال مفتون بليلى أين ليلى ؟ لم يجدها في الظهيرة يركض الموّال في أعقاب ليلى يقفز الموال من دائرة الظل الصغيرة ثم يمتدّ إلي صنعاء شرقا و إلي حمص شمالا و ينادي في الجزيرة : أين ليلى ؟ كان عبد الله يمتدّ مع الموّال و الموّال ممنوع يقول السيّد الجلاّد : إن البعد في الموّال لغم في الأساطير التي نعبدها . . و تدلى رأس عبد الله في عزّ الظهيرة . آه ، عبد الله و الأمسية الآن بلا موتى و أنت الآن حل للحلول آه . . عبد الله ، رموز و فصول آه . . عبد الله ، لا لون و لا شكل لأزهار الأفول آه . . عبد الله ، لا أذكر بعد الآن ما كنت تقول آه . . عبد الله ، لا تسمعك الأرض و لا ليلى . . و لا ظلّ النخيل . و لد الله و كانت شرطة الوالي و مليون قتيل ! !
سجل أنا عربي و رقم بطاقتي خمسون ألف و أطفالي ثمانية و تاسعهم سيأتي بعد صيف فهل تغضب سجل أنا عربي و أعمل مع رفاق الكدح في محجر و أطفالي ثمانية أسل لهم رغيف الخبز و الأثواب و الدفتر من الصخر و لا أتوسل الصدقات من بابك و لا أصغر أمام بلاط أعتابك فهل تغضب سجل أنا عربي أنا اسم بلا لقب صبور في بلاد كل ما فيها يعيش بفورة الغضب جذوري قبل ميلاد الزمان رست و قبل تفتح الحقب و قبل السرو و الزيتون و قبل ترعرع العشب أبي من أسرة المحراث لا من سادة نجب وجدي كان فلاحا بلا حسب و لا نسب يعلمني شموخ الشمس قبل قراءة الكتب و بيتي كوخ ناطور من الأعواد و القصب فهل ترضيك منزلتي أنا اسم بلا لقب سجل أنا عربي و لون الشعر فحمي و لون العين بني و ميزاتي على رأسي عقال فوق كوفية و كفى صلبة كالصخر تخمش من يلامسها و عنواني أنا من قرية عزلاء منسية شوارعها بلا أسماء و كل رجالها في الحقل و المحجر فهل تغضب سجل أنا عربي سلبت كروم أجدادي و أرضا كنت أفلحها أنا و جميع أولادي و لم تترك لنا و لكل أحفادي سوى هذي الصخور فهل ستأخذها حكومتكم إذن كما قيلا سجل برأس الصفحة الأولى أنا لا أكره الناس و لا أسطو على أحد و لكني إذا ما جعت آكل لحم مغتصبي حذار ، حذار من جوعي و من غضبي
27 ـ البكاء ( 1 ) ليس من شوق إلي حضن فقدته ليس من ذكرى لتمثال كسرته ليس من حزن على طفل دفنته أنا أبكي ! أنا أدري أن دمع العين خذلان . . و ملح أنا أدري ، و بكاء اللحن ما زال يلح لا ترشّي من مناديلك عطرا لست أصحو . . لست أصحو ودعي قلبي . . يبكي ! ( 2 ) شوكة في القلب مازالت تغزّ قطرات . . قطرات . . لم يزل جرحي ينزّ أين زرّ الورد ؟ هل في الدم ورد ؟ يا عزاء الميتين ! هل لنا مجد و عزّ ! أتركي قلبي يبكي ! خبّئي عن أذني هذي الخرافات الرتيبة أنا أدري منك بالإنسان . .بالأرض الغريبة لم أبع مهري . .و لا رايات مأساتي الخضيبة و لأنّي أحمل الصخر وداء الحبّ . . و الشمس الغريبة أنا أبكي ! أنا أمضي قبل ميعادي . . مبكر عمرنا أضيق منا ، عمرنا أصغر . . أصغر هل صحيح ، يثمر الموت حياة هل سأثمر في يد الجائع خبزا ، في فم الأطفال سكّر ؟ أنا أبكي !
في أيامه الأخيرة كان الشاعر محمود درويش منهمكاً في وضع اللمسات الأخيرة على ديوان، كان يحدس بالسرّ أنه سيكون ديوانه الأخير. لكن الموت كان أسرع منه، فرحل تاركاً على طاولته في منزله في عمان، قصائد ذلك الديوان الذي لم يتسنّ له أن يختار عنوانه ولا أن يُعمل قلمه في بضع قصائد، منقّحاً إياها على عادته هو الذي كان يملك عيناً نقدية حاذقة. إحدى القصائد ظلّت بلا عنوان، وقصيدته «في بيت نزار قباني» حذف منها كلمة ولم يضف أخرى محلها... إلا أن القصائد الثلاث والثلاثين هي وليدة المرحلة الأخيرة، التي بلغ فيها الشاعر أوج ابداعه، لا سيما بعدما أحسّ أن الموت بات يهدده وأن الشعر وحده هو السلاح والملجأ الآمن، ووحده القادر على أن يهزم الموت.
هذا الديوان الاخير يصدر مطلع الأسبوع المقبل عن دار رياض الريّس التي تملك حقوق نشر أعمال درويش بموجب اتفاق وقعه الشاعر، وعنوانه «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، وهو عنوان إحدى القصائد التي يضمّها الديوان.
يصدر الديوان غداة الذكرى الثامنة والستين لميلاد محمود درويش التي مرّت قبل أيام في غيابه، وهو سيكون أجمل هدية الى قرائه، ليس لأنّه يحمل جديده الشعري، بل لأن هذا الجديد ينتمي الى اللحظات الأشد سطوعاً في إبداعه. وفي الديوان يلوح هاجس الغياب مثلما لاح في «جدارية» و «في حضرة الغياب» وسواهما، لكنه هنا محفوف بالرغبة في العيش، العيش الشعري داخل العالم. ويبرز هذا الديوان أيضاً كم أن محمود مشغوف بالتجدّد والبحث المستمر عن آفاق مجهولة للإبداع الشعري واللغة والصور والإيقاع.
ثلاث وثلاثون قصيدة تركها محمود درويش ولم يمنحه الموت قليلاً من الأيام ليصدرها، ويقلّبها بين يديه في ديوان. وهذه القصائد ستزيد من سطوة هذا الشاعر مرسّخة حضوره أكثر فأكثر، هو الذي سيظل في مقدم المشهد العربي المعاصر.
تنشر «الحياة» أربع قصائد غير منشورة من الديوان متوجهة من خلالها الى قراء محمود درويش الذي افتقدوه، بالجسد وليس بالروح، ومن بين القصائد الأربع «وصية» فنية عنوانها «إلى شاعر شاب» .
بلا عنوان
إذا كان لا بُدَّ من قمرٍ
فليكن كاملاً، ووصيّاً على العاشقة!
وأمّا الهلال فليس سوى وَتَرٍ
مُضمرٍ في تباريح جيتارةٍ سابقة!
وإن كان لا بُدَّ من منْزلٍ
فليكنْ واسعاً، لنربي الكناريّ فيه.. وأشياءَ أخرى
وفيه ممّر ليدخلَ منه الهواء ويخرج حرّا
وللنحلِ حقُّ الإقامةِ والشغلِ في رُكنهِ المهمل
وإن كان لا بُدَّ من سفرٍ
فليكن باطنيّاً، لئلا يؤدّي إلى هدف
وأمّا الرحيل، فليس سوى شغف
مرهفٍ بالوصول إلى حُلُمٍ قُدَّ من حجر!
وإن كان لا بُدّّ من حلم، فليكنْ
صافياً حافياً أزرق اللون، يولد من نفسهِ
كأنّ الذي كان كان، ولكن لم يكنْ
سوى صورة الشيء في عكسهِ
وإن كان لا بُدَّ من شاعرٍ مختلفْ
فليكن رعويّ الحنين، يُجعّد ليل الجبال
ويرعى الغزالة عند تخوم الخيال، ولا يأتلفْ
مع شـيءٍ ســـوى حســّه بالمدى والندى والجمال
وإن كان لا بُدَّ من فرح، فليكنْ ساخناً
كدمِ الثور، لا وقتَ يبقى على حاله
الغناءُ حلالٌ لنا مثل زوجاتنا، فليكنْ ماجناً فاتناً